تعالج هذه الدراسة قضية تربوية مهنية متنامية الأهمية، وهي ضعف الاهتمام بالمهارات الناعمة في مناهج التعليم العالي التقليدية رغم كونها أساسية لقابلية التوظيف والنجاح المهني، إذ تتطلب بيئات العمل المعقدة خريجًا يجمع إلى المعرفة التخصصية قدرات على التواصل والعمل الجماعي وإدارة الضغوط وحل المشكلات، وتقوم فكرة الألعاب الجادة على توظيف آليات اللعب في أغراض تعليمية مقصودة، بحيث يتعلم الطالب بالممارسة والخطأ الآمن داخل بيئة محاكاة، بدلًا من التلقي السلبي للمعلومات
وتختبر الدراسة في هذا السياق فاعلية لعبة جادة تعليمية تسمى «كومبيت» طُورت ضمن برنامج إراسموس الأوروبي، في رفع وعي الطلاب بالمهارات الناعمة الأساسية، ومنها حل المشكلات بإبداع، والتواصل الفعال، وإدارة الضغوط، والعمل الجماعي، إذ تحاكي اللعبة سيناريوهات مهنية تتطلب اتخاذ قرارات استراتيجية متتابعة، وتقدم تغذية راجعة فورية عن تلك القرارات، وتعزز التعلم التأملي لدى اللاعبين وهم يعيدون النظر في خياراتهم ونتائجها
وتقيس المقارنة بين الاستبانتين القبلية والبعدية صورتين لدى الطالب، صورته عن مهاراته وأهميتها قبل التجربة اللعبية وصورته عنها بعدها، ويعد هذا التغير في الوعي خطوة أولى ضرورية قبل أي تغير لاحق في الأداء الفعلي، فالطالب لا يطور مهارة لا يدرك قيمتها ولا يعي حاجته إليها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم فاعلية اللعبة الجادة في تنمية وعي الطلاب بالمهارات الناعمة وإدراكهم لأهميتها، وطبق الباحثون اختبارًا تجريبيًا أوليًا على ثلاثة وستين طالبًا من طلاب إدارة الأعمال في الجامعة الدولية في لاريوخا خلال العام الجامعي 2023–2024، واستخدموا استبانتين قبلية وبعدية قاستا التغيرات في تصورات الطلاب للمهارات الناعمة قبل ممارسة اللعبة وبعدها، بما أتاح رصد أثر التجربة اللعبية في الثقة بالقدرات وفي الأهمية المدركة لكل مهارة
وتوزعت الكفاءات الثماني عشرة التي غطتها الاستبانتان على مجالات تشمل حل المشكلات بإبداع والتواصل الفعال وإدارة الضغوط والعمل الجماعي وغيرها من المهارات التي صممت سيناريوهات اللعبة لمحاكاتها، بحيث يواجه اللاعب مواقف مهنية مصطنعة بعناية تستدعي توظيف هذه المهارات مجتمعة، ويتلقى تغذية راجعة فورية تربط قراراته بنتائجها، فيتشكل لديه وعي عملي بقيمته المهنية وبمواضع قوته وحاجته إلى التطوير
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج تحسنات دالة إحصائيًا في ثلاثة عشر مجالًا من مجالات الكفاءة الثمانية عشر التي قيست، فقد ارتفعت ثقة الطلاب بقدراتهم وازدادت الأهمية التي يولونها لمهارات بعينها، وسُجلت زيادات ملحوظة في مجالي العمل الجماعي وإدارة الضغوط على وجه الخصوص، وهما مهارتان محوريتان في بيئات العمل المعاصرة التي تعتمد على الفرق وتتسم بتسارع الإيقاع وتعدد المطالب
ويلاحظ أن التحسن لم يقتصر على مهارة واحدة معزولة، بل امتد إلى غالبية مجالات الكفاءة المقيسة، وهو ما يشير إلى أن اللعبة، بما تتضمنه من قرارات استراتيجية متتابعة وتغذية راجعة فورية وفرص للتعلم التأملي، قد أثرت في منظومة متكاملة من المهارات المترابطة، وأن محاكاة السيناريوهات المهنية قادرة على إحداث تغير ملموس في وعي الطلاب بمهارات يصعب تدريسها بالمحاضرات التقليدية التي تعرض المهارة وصفًا لا ممارسة
وتبرز أهمية النتيجتين المتعلقتين بالعمل الجماعي وإدارة الضغوط في أنهما من أكثر ما تفتقر إليه الخبرة الجامعية التقليدية للطالب، إذ نادرًا ما يتدرب الطالب داخل قاعة المحاضرات على اتخاذ قرار تحت ضغط الوقت، أو على تنسيق الأدوار داخل فريق يعمل على مهمة مشتركة ذات نتائج مترابطة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتبرز دلالات النتائج في أن الألعاب الجادة تصلح أدوات مبتكرة لدمج المهارات الناعمة في التعليم العالي، وتدعو الدراسة إلى تبني المؤسسات التعليمية لهذه المقاربات اللعبية على نطاق أوسع ودمجها في المناهج الدراسية، بما يهيئ الطلاب لمواجهة التحديات المعقدة في أماكن العمل، كما تفيد مطوري الألعاب التعليمية ومصممي المناهج في بناء تجارب تجمع بين المحاكاة الواقعية والتغذية الراجعة والتعلم التأملي، وتوجه الباحثين إلى اختبار هذه المقاربات على عينات أكبر وسياقات تخصصية متنوعة للتحقق من ثبات أثرها
كما تفتح النتائج الباب أمام دراسات لاحقة تقيس بقاء أثر الوعي المتحقق بالمهارات وانتقاله إلى مواقف العمل الحقيقية في التدريب الميداني وسنوات التوظيف الأولى، بما يربط بين التعلم اللعبي داخل الجامعة والأداء المهني خارجها
وخلاصة القول إن الدراسة تقدم دليلًا تجريبيًا على أن لعبة جادة مصممة بعناية قادرة على تحسين وعي طلاب التعليم العالي بمهاراتهم الناعمة تحسنًا دالًا في معظم مجالات الكفاءة، وأن توسيع توظيف المقاربات اللعبية في المناهج يمثل استثمارًا واقعيًا في قابلية الخريجين للتوظيف ونجاحهم المهني المستقبلي
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








