تتزايد تطبيقات تحليلات التعلم الرامية إلى تقويم الإبداع ورعايته في البيئات التعليمية، وقد أظهرت التطبيقات القائمة نتائج واعدة في سياقات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، غير أن تنوع المقاربات عبر المجالات التعليمية المختلفة ما يزال أقل وضوحًا، فلا يعرف الباحثون بدقة كيف تتوزع هذه التطبيقات وآلياتها وسياقاتها، وتأتي هذه الدراسة مراجعة نطاقية ترسم خريطة منهجية لتطبيقات تحليلات التعلم في مجال الإبداع داخل السياقات التعليمية، مستعرضة آليات عملها ومفاهيمها ومصادر بياناتها وطرق تقويمها، لتكشف في الوقت نفسه الفجوات المنهجية والنظرية التي تعتري هذا الحقل الفتي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى رسم خريطة منهجية لتطبيقات تحليلات التعلم الموجهة إلى الإبداع في السياقات التعليمية عبر مراجعة نطاقية، فأعاد البحث في قواعد البيانات 278 مقالًا استوفت منها 41 دراسة معايير الأهلية للإدراج، وحلل الباحثون الدراسات المشمولة مصنفين تطبيقاتها بحسب آليات عملها في رعاية الإبداع ومفاهيمها للإبداع ومصادر بياناتها ومناهج تقويمها والتقنيات والمناهج التربوية والتقنية التي وظفتها والمهارات المكملة المرتبطة بها، كما رصدت المراجعة خصائص الدراسات المنهجية مثل ذكر مدة الدراسة ووجود إطار نظري صريح، بما أتاح تقويم نضج الحقل إلى جانب رسم خريطته
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت التحليلات عن خمس آليات أساسية ترعى بها تحليلات التعلم الإبداع هي تصور العمليات والتغذية الراجعة التكيفية والتعرف الآلي إلى الأنماط وتحليلات السلوك والتدخل في الزمن الحقيقي، وكان الإبداع الحاسوبي أكثر التصورات المفاهيمية شيوعًا إذ ظهر في عشر دراسات، وكانت بيانات السجل المصدر الرئيس للبيانات في اثنتي عشرة دراسة، بينما تقدم التقويم الآلي بالمقاييس القائمة على المنصات طرق التقويم بعشر دراسات، ومثلت منصات البرمجة التطبيق التقني الرئيس في إحدى عشرة دراسة، وكان التعلم التعاوني أكثر الإستراتيجيات التربوية شيوعًا بسبع دراسات، وبرز حل المشكلات المهارة المكملة الأكثر ارتباطًا بالإبداع في سبع عشرة دراسة، وأظهرت المراجعة في المقابل تركيزًا واسعًا على سياقات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، وتشتتًا منهجيًا تمثل في ثمان وثلاثين دراسة لم تحدد مدة الدراسة، وفجوات نظرية تمثلت في تسع دراسات خلت من أطر نظرية صريحة
وتدل خريطة النتائج على أن الحقل ما يزال أسير ما هو قابل للقياس الآلي بسهولة، فتقدُّم بيانات السجل والتقويم الآلي بالمقاييس المنصية ومنصات البرمجة يعكس توفر البيانات والبنى التقنية في هذه السياقات أكثر مما يعكس بالضرورة أهمية الإبداع فيها، وفي المقابل تندر التطبيقات في مجالات تعتمد على منتجات إبداعية مفتوحة كالكتابة والفنون والعلوم الإنسانية حيث يصعب اختزال الإبداع في مقاييس منصية، كما أن غياب تحديد مدة الدراسة في ثمان وثلاثين دراسة خلل إبلاغي بسيط في ظاهره لكنه يعيق مقارنة النتائج وتراكمها، لأن أثر تحليلات التعلم في الإبداع قد يختلف جوهريًا بين تدخل قصير ومسار ممتد
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسلط هذه النتائج الضوء على الإمكانات التحويلية لتحليلات التعلم في تقويم الإبداع ورعايته، وتكشف في الآن ذاته عن فرص للتوسع بين التخصصات ولتوحيد المنهجيات، فالحقل مدعو إلى تجاوز تمركزه حول سياقات العلوم والتقنية والبرمجة إلى مجالات إنسانية وفنية ولغوية لا يقل الإبداع فيها أهمية، وإلى الانضباط المنهجي في الإبلاغ عن مدة الدراسات وسياقاتها، وإلى تأصيل نظري أوضح يربط مفاهيم الإبداع بمؤشرات التحليل، ويمكن لمصممي بيئات التعلم أن يستفيدوا من الآليات الخمس المرصودة في بناء أدوات ترعى الإبداع بوعي، بينما يستفيد الباحثون من الخريطة التي رسمتها المراجعة في اختيار مواضع بحث لم تُستكشف بعد
ويمكن للباحثين اللاحقين أن ينطلقوا من فجوات هذه الخريطة مباشرة، فيوجهوا دراساتهم نحو المجالات غير الممثلة ونحو آليات أقل استخدامًا من الآليات الخمس، ويعتمدوا معايير إبلاغ أتم تشمل مدة الدراسة والإطار النظري وتعريف الإبداع المعتمد، أما مطورو منصات التعلم فيمكنهم أن يستلهموا آليتي تصور العمليات والتدخل في الزمن الحقيقي لبناء لوحات تجعل عملية الإبداع مرئية للمتعلم نفسه لا للباحث فقط، فيتحول التحليل إلى مرآة يتعلم منها المتعلم كيف يبدع لا إلى حكم خارجي على منتجه فحسب
وخلاصة القول إن تحليلات التعلم باتت لاعبًا حقيقيًا في تقويم الإبداع ورعايته عبر آليات متنوعة أبرزها تصور العمليات والتغذية الراجعة التكيفية والتدخل في الزمن الحقيقي، غير أن نضج الحقل يقتضي تجاوز تشتته المنهجي وغياب أطره النظرية أحيانًا وتمركزه حول سياقات ضيقة، حتى تتحول وعوده التحويلية إلى ممارسة بحثية وتربوية راسخة








