تؤدي التصنيفات العالمية للجامعات دورًا مؤثرًا في رسم صورة الجامعات التنافسية وتوجيه قرارات الطلاب وصناع السياسات، ويُعد تصنيف شنغهاي من أبرز هذه التصنيفات وأقدمها، غير أن منهجياته في التقييم تثير نقاشًا مستمرًا حول عدالتها وملاءمتها لمختلف التخصصات، ولا سيما التخصصات ذات الطابع المحلي والمناهج النوعية مثل التربية، وتتناول الدراسة منهجيات تصنيف شنغهاي خلال الأعوام من 2022 إلى 2024 وأثرها في فئة التربية تحديدًا، مع تتبع ما طرأ على مؤشرات التقييم من تغييرات وانعكاس ذلك على تموضع الجامعات الإسبانية في هذه الفئة، سعيًا إلى فهم أعمق للعلاقة بين قواعد التصنيف العالمية وخصوصيات الحقول المعرفية المختلفة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم التغييرات التي طرأت على مؤشرات تصنيف شنغهاي بين عامي 2022 و2024 وتأثيرها في تموضع الجامعات الإسبانية ضمن فئة التربية، واعتمدت الدراسة على دراسة حالة متعددة بمقاربة نوعية ومقارنة قائمة على التحليل الوثائقي لمنهجيات التصنيف المعلنة عبر تلك الأعوام، إذ جرى تتبع المؤشرات المعتمدة عامًا بعد عام، ورصد ما حُذف منها وما استُحدث، وتحليل كيفية انعكاس هذه التعديلات على تقييم تخصص التربية مقارنة بغيره من التخصصات، وقد أتاحت هذه المنهجية قراءة نقدية لتطور فلسفة التصنيف ذاتها، ولمدى مراعاتها لطبيعة الإنتاج المعرفي في التخصصات التي يغلب عليها الأثر المحلي والمناهج النوعية في البحث
ثانيًا: أبرز النتائج
رصدت الدراسة تحولًا في منهجيات التصنيف نحو مؤشرات أكثر توجهًا نحو الجودة، تمثل في إزالة مؤشر عدد الأوراق المنشورة وإدخال مؤشر أعضاء هيئة تدريس من الطراز العالمي في عام 2024، غير أن النتائج بينت أن هذه المنهجيات تظل محدودة القدرة على تقويم تخصصات مثل التربية، التي يعد فيها الأثر المحلي والمناهج النوعية عنصرين جوهريين في قيمتها العلمية والمجتمعية، وخلصت الدراسة إلى أن التغييرات في التصنيف تعزز التميز العالمي من حيث المبدأ، لكنه يبقى من الضروري تكييف المؤشرات بحيث تعكس بصورة أعدل إسهامات تخصصات مثل التربية، كما تقترح الدراسة استراتيجيات لتحقيق التوازن بين إنتاج بحوث ذات أثر عالمي والحفاظ على الصلة المحلية، وتحسين تنافسية الجامعات الأقل موارد في ظل قواعد التصنيف القائمة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه النتائج دلالات مهمة للجامعات وصناع السياسات الأكاديمية، فهي تنبه إلى أن السعي وراء مواقع متقدمة في التصنيفات العالمية لا ينبغي أن يكون على حساب رسالة الجامعة المحلية أو طبيعة تخصصاتها، وأن الجامعات الأقل موارد تحتاج إلى استراتيجيات واعية توازن بين متطلبات الظهور العالمي وقيمتها في محيطها، كما توجه الدراسة الباحثين مستقبلًا نحو دراسة الأثر النوعي للتصنيفات في التنمية التعليمية المحلية، بدل الاكتفاء بتتبع المواقع والأرقام، بما يساعد على بناء فهم أعمق لكيفية تفاعل أنظمة التقويم العالمية مع الأولويات الوطنية والمجتمعية للتعليم العالي
ويتعمق هذا النقاش حين يتعلق بتخصص كالتربية، إذ تقوم قيمة البحث التربوي في جانب كبير منها على معالجته لقضايا تعليمية محلية السياق وعلى مناهج نوعية تستكشف الظواهر بعمق لا تلتقطه المؤشرات الكمية العالمية، فحين تُقاس الجامعات بمعايير موحدة تغلب عليها مؤشرات الإنتاج والنشر الدولي، تجد كليات التربية نفسها في موقع غير مواتٍ رغم إسهامها الفعلي في تطوير منظومات التعليم الوطنية، ومن هنا تكتسب استراتيجيات التوازن التي تقترحها الدراسة أهميتها، إذ تدعو الجامعات إلى إنتاج بحوث ذات أثر عالمي دون التفريط في صلتها المحلية، وإلى تحسين تنافسيتها ضمن قواعد التصنيف القائمة، بقدر ما تدعو منظمي التصنيفات أنفسهم إلى إعادة النظر في مؤشراتهم وتكييفها مع تنوع الحقول المعرفية
كما تفتح الدراسة أفقًا بحثيًا مستقبليًا يركز على الأثر النوعي للتصنيفات في التنمية التعليمية المحلية، أي كيفية تأثير مواقع الجامعات في هذه القوائم في قراراتها الداخلية وأولوياتها البحثية وتوزيع مواردها، وهو بُعد لا تقل أهميته عن تتبع المؤشرات ذاتها عبر السنوات
وهكذا يصبح تتبع تغير المؤشرات عبر السنوات مدخلًا لفهم فلسفة التصنيف المتبدلة وما تحمله من قيم ضمنية حول ما يعده تميزًا جامعيًا، لا مجرد رصد لصعود جامعات وهبوط أخرى في قوائمه السنوية المتعاقبة وترتيبها التنافسي
وخلاصة القول إن منهجيات تصنيف شنغهاي بين 2022 و2024 اتجهت نحو مؤشرات أكثر ارتباطًا بالجودة، كحذف مؤشر عدد الأوراق واستحداث مؤشر أعضاء هيئة التدريس من الطراز العالمي، غير أنها تظل محدودة الملاءمة لتخصصات كالتربية ذات الأثر المحلي والمناهج النوعية، بما يستدعي تكييف المؤشرات واستراتيجيات جامعية توازن بين التميز العالمي والصلة المحلية
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








