انتشرت في السنوات الأخيرة حملات المساعدة التي تُطلق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبرزت معها ظاهرة لافتة يطلق عليها المساعدة بالنقر، وتتمثل في النقر على زر أعجبني لإظهار الدعم لحملة أو قضية خيرية، وعلى الرغم من انتشارها الواسع في الحياة الرقمية اليومية ما يزال هذا النمط من المساعدة مجالًا جديدًا وغير مستكشف إلى حد كبير في البحث النفسي والاجتماعي، وتقدم هذه الدراسة أداة قياس جديدة لرصد أنماط هذه المساعدة ودوافع من يمارسونها، ويقاس التقدم في دراسة أي ظاهرة سلوكية جديدة بامتلاك أدوات قياس مقننة تسمح بالمقارنة بين الدراسات وتراكم المعرفة حولها، فقبل هذه الأداة كانت بحوث المساعدة الرقمية تعتمد على مؤشرات متفرقة كأعداد النقرات والإعجابات المسجلة في المنصات، دون الوقوف على البنية النفسية الكامنة خلفها وأنماط اتجاهاتها، وتمثل هذه النقرات في مجموعها مؤشرًا جماهيريًا يقرأه منظمو الحملات بعناية لبناء قراراتهم الاتصالية واستهداف جمهورهم
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقديم أداة قياس جديدة هي استبانة أنماط المساعدة بالنقر، تقيس أنماط المساعدة عبر النقر على وسائل التواصل الاجتماعي، واعتمد تطوير الاستبانة على نظرية الإيثار التبادلي إطارًا نظريًا موجهًا لبناء بنودها وأبعادها، وشملت الدراسة عينتين بلغت الأولى 349 مشاركًا والثانية 1006 مشاركين، وتتكون الاستبانة من 19 بندًا موزعة على ثلاثة مقاييس فرعية هي مساعدة الناس ومساعدة البيئة ومساعدة الحيوانات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأُجريت دراستان مستقلتان، خُصصت الأولى لتحديد الخصائص القياسية للاستبانة وبنائها العاملي، بينما تحققت الثانية من النتائج السابقة واختبرت فائدة الاستبانة في التمييز بين الأفراد ذوي الأنماط المختلفة من المساعدة بالنقر، ويوفر الإطار النظري المستمد من الإيثار التبادلي تفسيرًا لدوافع النقر المساعد بوصفه تبادلًا اجتماعيًا رمزيًا يتوقع فيه الفرد ضمنيًا المعاملة بالمثل أو التقدير الاجتماعي من محيطه، وبنيت البنود التسعة عشر لتغطي هذه الدوافع عبر مجالات المساعدة الثلاثة، وخضعت الأداة لإجراءات التقنين المعتادة من تحليل عاملي للبنية وحساب لمعاملات الثبات وقدرة تمييزية بين الأفراد، وجاءت العينتان متنوعتين بما يعزز إمكان تعميم النتائج على جمهور مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الاستبانة صالحة لقياس أنماط المساعدة بالنقر بمقاييسها الفرعية الثلاثة، وأن جميع عواملها تتمتع بمعاملات ثبات جيدة وفق معامل ألفا كرونباخ، كما كشفت الأداة عن دوافع الناس الكامنة وراء هذا الشكل الرقمي من المساعدة، وأثبتت قدرتها على التمييز بين الأفراد وفق أنماطهم المتباينة في مساعدة الناس والبيئة والحيوانات، بما يؤكد أنها تلتقط فروقًا حقيقية في الاستعدادات السلوكية لا مجرد استجابات عشوائية، وبينت الدراسة الثانية على نحو خاص أن الأفراد يختلفون في ملفات مساعدتهم الرقمية اختلافًا منهجيًا، فمنهم من ينحاز بطبعه لمساعدة الناس، ومنهم من تميل نقراته إلى قضايا البيئة وحمايتها، ومنهم من يتفاعل بقوة مع قضايا الحيوانات ورعايتها، وأن هذه الأنماط مستقرة بما يكفي لقياسها بأداة موجزة واحدة والتفريق الموثوق بين أصحابها، كما أظهرت المقارنات بين الدراستين اتساق البنية العاملية للأداة وثباتها عبر العينتين المستقلتين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكمن دلالة الدراسة في فتحها مجالًا بحثيًا جديدًا يتصل بسلوك المساعدة في البيئات الرقمية التي باتت ساحة رئيسة للتفاعل الاجتماعي، إذ توفر للباحثين أداة مقننة لدراسة دوافع العطاء منخفض الكلفة عبر المنصات الاجتماعية وفهم شروط تحوله إلى مساعدة فعلية أعمق، ويمكن أن تستفيد المنظمات الخيرية من نتائجها في فهم جمهورها وتصميم حملات تواصل أكثر فاعلية، كما تصلح الاستبانة أساسًا لدراسات مقارنة بين الثقافات والمجتمعات حول أنماط المساعدة الرقمية ودوافعها، ويمكن للمنصات الرقمية ذاتها والجمعيات الخيرية توظيف فهم هذه الأنماط في توجيه الحملات إلى الجمهور الأقرب اهتمامًا بكل قضية من قضاياها، فيرتفع أثر التوعية وتنخفض كلفة الوصول إلى المتفاعلين المحتملين، كما تفتح الأداة مجالًا خصبًا لدراسة العلاقة بين المساعدة الرقمية الرمزية منخفضة الكلفة والسلوكيات العطائية الأعمق كالتبرع المالي والتطوع الميداني، ومدى تحول الأولى إلى بوابة للثانية
وخلاصة القول إن المساعدة بالنقر، رغم بساطتها الظاهرة وكلفتها شبه المعدومة، تعكس دوافع إنسانية قابلة للقياس والتحليل العلمي الدقيق، وإن الاستبانة المقدمة في هذه الدراسة تمنح الباحثين مفتاحًا منهجيًا لفهم هذا السلوك الرقمي المتنامي وأنماطه المتباينة بين الناس والبيئة والحيوانات، وتفتح الباب لبحوث أعمق في سيكولوجية العطاء في العصر الرقمي، وبقياس هذا السلوك قياسًا رصينًا بأداة مقننة تنتقل دراسته من ملاحظة ظاهرة عابرة في الفضاء الرقمي إلى فرع معرفي متراكم له أدواته وأسئلته ونظرياته الخاصة








