أعادت تقنيات الذكاء الاصطناعي تشكيل التعليم العالي بوتيرة متسارعة، ودفعت التحول الرقمي للتعليم خطوات واسعة إلى الأمام، وفي مقدمة هذه التقنيات يقف تشات جي بي تي أداة واعدة لتحسين جودة التدريس ودعم تعلم الطلبة، غير أن قبول الطلبة الجامعيين لهذه الأداة واستخدامهم الفعلي لها ما يزالان غير مستكشفين بما يكفي، رغم أنهما شرطان حاسمان لانتشارها الرشيد في البيئات الجامعية، وفي هذا السياق جاءت الدراسة الحالية لتوضيح العوامل المحددة لقبول طلبة الجامعات لتشات جي بي تي، بما ييسر تبنيه الواسع في التعليم العالي، عبر إطار بحثي جديد يدمج مؤشر الجاهزية التقنية، ونموذج قبول التكنولوجيا، ونظرية السلوك المخطط في نموذج تفسيري واحد
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء فهم متكامل لمحددات قبول تشات جي بي تي لدى الطلبة، يجمع بين الاستعدادات النفسية المسبقة نحو التكنولوجيا، والإدراكات المتعلقة بسهولة الاستخدام والفائدة، والاتجاهات والمعايير الاجتماعية والضبط السلوكي المدرك، ولتحقيق ذلك اعتمدت الدراسة مقاربة مختلطة الأساليب تجمع بين نمذجة المعادلات البنائية بالمربعات الصغرى الجزئية، والتحليل المقارن النوعي بالمجموعات الضبابية، وحللت بيانات مائتين وثمانية وتسعين طالبًا جامعيًا صينيًا، بما أتاح فحص الآثار الصافية للمتغيرات وفحص التوليفات الشرطية التي تقود إلى القبول في آن واحد
ويعكس اختيار هذه المقاربة المزدوجة وعيًا بأن قبول التكنولوجيا التعليمية ظاهرة مركبة لا تفسرها علاقات خطية بسيطة وحدها، فالطالب قد يقبل الأداة عبر مسارات متعددة تتفاعل فيها جاهزيته التقنية مع تصوراته عن فائدتها ومع ضغوط بيئته الاجتماعية، ومن ثم تمنح المنهجية المختلطة صورة أصدق لتعقيد قرار القبول كما يتشكل في حياة الطلبة الجامعية الفعلية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الشعور بعدم الارتياح وانعدام الأمان، بوصفهما بعدين في الجاهزية التقنية، يؤثران سلبًا في سهولة الاستخدام المدركة وفي الفائدة المدركة لتشات جي بي تي، فالطلبة الذين يستشعرون قلقًا من التقنية أو شكوكًا حول أمانها يميلون إلى تقييم الأداة بأنها أصعب وأقل فائدة، كما بينت النتائج أن سهولة الاستخدام المدركة والفائدة المدركة تؤثران إيجابًا في اتجاهات الطلبة نحو الأداة، وأن هذه الاتجاهات، مقترنة بالمعايير الاجتماعية والضبط السلوكي المدرك، تعزز نية قبول تشات جي بي تي واستخدامه في التعلم
وكشفت نتائج التحليل المقارن النوعي أن قبول الطلبة لتشات جي بي تي لا يقوده عامل منفرد، بل تتولد النية من امتزاج عناصر متعددة في توليفات مختلفة قد تصل إلى النتيجة ذاتها، وهو ما يؤكد الطبيعة المركبة لتبني التكنولوجيا في التعليم، ويعني عمليًا أن التدخلات الهادفة إلى رفع القبول يمكن أن تتحرك عبر أكثر من مدخل، كتقليل مشاعر عدم الأمان، أو إبراز الفائدة التعليمية، أو تعزيز الدعم الاجتماعي والمهارات اللازمة للاستخدام الواثق
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة توصيات عملية للتربويين ومصممي التقنيات التعليمية، تتمثل في صقل تصميم المقررات وأساليب التدريس بما يدمج أدوات الذكاء الاصطناعي دمجًا مدروسًا، ورفع مشاركة الطلبة وفاعلية تعلمهم، وتعزيز التبني الأوسع للتكنولوجيا التعليمية في الجامعات، فحين يفهم المصممون أن مشاعر عدم الارتياح والأمان تعيق الإدراكات الإيجابية منذ البداية، يصبح بناء الثقة والتدريب التمهيدي جزءًا أصيلًا من خطط إدماج الأداة لا خطوة لاحقة اختيارية
كما تحمل النتائج دلالة مؤسسية أوسع، مفادها أن نجاح إدماج تشات جي بي تي في التعليم العالي لا يتوقف على قوة الأداة التقنية وحدها، بل على منظومة قبول بشرية تتشكل من الجاهزية والإدراك والاتجاه والدعم الاجتماعي، ومن ثم فإن سياسات الجامعات الذكية ينبغي أن ترافق طرح الأدوات الجديدة بحملات توعية وإرشاد أكاديمي وضوابط استخدام واضحة، تحول القبول من رد فعل فردي متفاوت إلى ثقافة مؤسسية ناضجة ومسؤولة
وتساعد قراءة التوليفات الشرطية التي كشفها التحليل المقارن الجامعات على تجاوز منطق الحل الواحد للجميع، فبعض الطلبة قد يحتاجون أساسًا إلى خفض مشاعر انعدام الأمان عبر ضمانات الخصوصية والأصالة الأكاديمية، وبعضهم قد يحتاجون إلى إظهار الفائدة العملية للأداة في مهامهم الدراسية الحقيقية، وبعضهم يتحركون بدفع من البيئة الاجتماعية المحيطة، ومن ثم فإن استراتيجيات الإدماج الناجحة تبني مسارات متعددة ومتكاملة بدل افتراض أن عاملًا واحدًا يصلح مفتاحًا لقبول جميع الطلبة على اختلاف جاهزيتهم واتجاهاتهم وسياقاتهم
وخلاصة القول إن الدراسة تقدم إطارًا متكاملًا لفهم قبول طلبة الجامعات لتشات جي بي تي، مبرهنة على أن عدم الارتياح وانعدام الأمان يضعفان الإدراكات الإيجابية، وأن سهولة الاستخدام والفائدة تبنيان الاتجاهات التي تعزز مع المعايير الاجتماعية والضبط السلوكي نية القبول، بما يوجه الجامعات والمصممين نحو إدماج أكثر رشادة للذكاء الاصطناعي في التعليم








