يمثل تعليم الكبار ركيزة أساسية في منظومات التعلم مدى الحياة، غير أن نجاح برامجه يتوقف على مدى فهم القائمين على تنفيذها لوثائق السياسات والاستراتيجيات التي توجه هذا القطاع وقدرتهم على توظيفها في عملهم اليومي، وفي إدارة مدينة أديس أبابا بإثيوبيا تتولى جهات متعددة تنفيذ برامج تعليم الكبار استنادًا إلى وثائق سياسات واستراتيجيات مصممة لهذا الغرض، غير أن مستوى إدراك المنفذين لهذه الوثائق ودرجة استخدامهم الفعلي لها ظلا بحاجة إلى تقويم ميداني، ومن هنا جاءت هذه الدراسة لتقويم فهم منفذي برامج تعليم الكبار لوثائق سياسات تعليم الكبار ومدى استخدامهم لها في إدارة مدينة أديس أبابا، وكشف الفجوات التي تعترض ترجمة السياسات إلى ممارسات، وتتضاعف أهمية هذا الفهم في قطاع يخدم متعلمين بالغين ذوي ظروف اجتماعية واقتصادية متنوعة، ويعتمد نجاحه على التزام المنفذين الميدانيين بتوجيهات السياسات في التخطيط والتنفيذ والمتابعة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم فهم منفذي برامج تعليم الكبار لوثائق سياسات القطاع ودرجة توظيفهم لها في أعمالهم، واعتمدت الدراسة المنهج النوعي لملاءمته لطبيعة الأسئلة المطروحة، وجمعت البيانات النوعية عبر أداتين رئيسيتين هما المقابلات مع المنفذين وتحليل الوثائق ذات الصلة بسياسات تعليم الكبار واستراتيجياته، وعولجت البيانات بعرض آراء المشاركين ونتائج تحليل الوثائق ومناقشتها بالسرد اللفظي مدعومة بالأدلة والاستجابات، بحيث تتكامل شهادات الممارسين مع ما تنص عليه الوثائق الرسمية ذاتها، وأتاحت هذه المنهجية رصد الفجوة بين ما هو مخطط في الوثائق وما يدركه المنفذون ويمارسونه على أرض الواقع، وسمح تحليل الوثائق بمقارنة الصورة الرسمية للسياسات بما يصرح به المنفذون من ممارسات وتصورات، فتكشفت الفجوات بين النص والممارسة بصورة موثقة من مصدرين مستقلين، وأسهمت المقابلات في إبراز أسباب ضعف الفهم كما يراها المنفذون أنفسهم، بما فيها غياب التدريب المصاحب لصدور الوثائق الجديدة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج الدراسة أن غالبية منفذي برامج تعليم الكبار يفتقرون إلى الفهم الكافي لوثائق سياسات قطاع تعليم الكبار، وأن فهمهم المحدود ينعكس على ضعف توظيفهم لهذه الوثائق في أعمالهم، كما كشفت الدراسة عن غياب نظام راسخ ومستدام لخلق الوعي بهذه الوثائق وبناء قدرات الموظفين الجدد وغيرهم من العاملين في القطاع، وغياب هيكل تنظيمي راسخ يقود برامج تعليم الكبار وفق ما صممته الوثائق الاستراتيجية، وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن المشكلة لا تكمن في غياب السياسات ذاتها بل في ضعف آليات نشرها وتفعيلها، إذ تظل الوثائق حاضرة على الورق بينما يفتقر المنفذون إلى الإحاطة بها وإلى البنية الداعمة لتطبيقها، كما يترتب على ضعف الفهم تفاوت واسع بين الجهات المنفذة في تطبيق البرامج ذاتها، فتختلف جودة التنفيذ باختلاف اجتهاد الأفراد لا باختلاف الحاجات الفعلية للمتعلمين، وتبقى الوثائق الاستراتيجية بعيدة عن التأثير في القرارات اليومية للمنفذين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توصي الدراسة مؤسسات تنفيذ تعليم الكبار بإطلاق برامج تطوير مهني مستمر تستهدف منفذي البرامج، بحيث يحصلون عبرها على معلومات مباشرة وحديثة حول وثائق السياسات من ناحية، ويرتقون مهنيًا من ناحية أخرى، كما تستدعي النتائج بناء نظام دائم للتوعية بالوثائق وبناء القدرات يستوعب الموظفين الجدد والحاليين على حد سواء، وإنشاء بنية قيادية واضحة تتولى قيادة البرامج وفق الاستراتيجيات المصممة، وتحمل الدراسة دلالة أوسع لسياسات تعليم الكبار في السياقات النامية، إذ تؤكد أن جودة التنفيذ تبدأ من فهم المنفذين للوثائق الموجهة لعملهم، وأن الاستثمار في هذا الفهم شرط سابق لأي إصلاح يستهدف نتائج المتعلمين الكبار، وتشمل هذه الفائدة التعريف بمضامين الوثائق وأهدافها وإجراءاتها، وربطها بمهام المنفذ اليومية ربطًا عمليًا يجعلها مرجعًا حيًا في عمله لا ملفات محفوظة في الأدراج، ويمكن لبرامج التطوير المهني المستمر أن تتضمن متابعة لاحقة تقيس أثرها في فهم المنفذين وممارساتهم، بما يحول التوعية من نشاط عارض إلى مسار مؤسسي متراكم
وخلاصة القول إن منفذي برامج تعليم الكبار في أديس أبابا يعانون ضعفًا واضحًا في فهم وثائق سياسات القطاع وتوظيفها، في ظل غياب التوعية المستدامة والبنية القيادية الراسخة، وإن معالجة هذه الفجوة عبر التطوير المهني المستمر تمثل الخطوة الأولى نحو تنفيذ أكثر اتساقًا مع السياسات المصممة، وعلى الجهات المسؤولة أن تعيد بناء قنوات التواصل بين واضعي السياسات ومنفذيها حتى تصل الوثائق إلى الميدان مفهومة وقابلة للتطبيق
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








