يميل الأفراد في أوقات الأزمات الصحية الكبرى إلى تقدير مخاطر إصابتهم تقديرًا متفائلًا على نحو غير واقعي، فيرون أنفسهم أقل عرضة للعدوى من أقرانهم، وقد وثقت بحوث أجريت في مطلع جائحة كورونا حضور هذا التفاؤل غير الواقعي بوضوح، غير أن نموذج واينشتاين النظري يوحي بأن هذا الميل قد لا يستمر مع تقدم الجائحة وتراكم الخبرات والأخبار المؤلمة، ومن هنا سعت هذه الدراسة إلى التحقق من استمرار التفاؤل غير الواقعي خلال موجتي الجائحة الثانية والثالثة في بولندا، ومن حدود امتداده إلى مجالات لا يملك الفرد فيها تأثيرًا يذكر في وقوع الحدث
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التحقق من بقاء التفاؤل غير الواقعي خلال الموجتين الثانية والثالثة من جائحة كورونا في بولندا، ومن مدى انطباقه على تقدير فرص الإصابة بالعدوى ذاتها، وهو ما تناولته الدراستان الأولى والثانية معًا، وعلى تقدير فرص المسار الشديد للمرض وردود الفعل السلبية تجاه اللقاح، وهو ما اختصت به الدراسة الثانية، وأجريت الدراسة الأولى خلال الموجة الثانية من الجائحة، بينما أجريت الثانية خلال الموجة الثالثة، بما أتاح مقارنة اتساق الظاهرة عبر مرحلتين متتابعتين من انتشار الوباء تراكمت فيهما خبرة المجتمع البولندي بالمرض وبتداعياته الصحية والاجتماعية، وفحصتا الفروق بين من عرفوا شخصيًا متوفين بسبب العدوى ومن لم يمروا بهذه الخبرة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن التفاؤل غير الواقعي تجاه الإصابة بفيروس كورونا استمر طوال فترة الجائحة بموجتيها الثانية والثالثة، فظل المشاركون يقدرون فرص إصابتهم بأدنى من فرص إصابة الآخرين رغم طول أمد الوباء واتساع دائرة المصابين من حولهم، وفي المقابل لم يظهر المشاركون تفاؤلًا غير واقعي في المواقف التي لا يملكون فيها تأثيرًا يذكر في وقوع الحدث، أي في تقدير فرص المسار الشديد للمرض وردود الفعل السلبية للقاح، واستثنى من ذلك من عرفوا شخصيًا إنسانًا توفي بسبب عدوى فيروس كورونا، إذ اختلفت أنماط تقديراتهم عن غيرهم، ويفسر الباحثون هذه النتائج في ضوء آليتين نفسيتين هما حماية تقدير الذات وتقليل التهديد النفسي، فالتفاؤل هنا درع نفسي يخفف القلق ويحفظ للفرد شعوره بالتماسك
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل الدراسة دلالات مهمة لاتصال المخاطر في الأزمات الصحية، إذ يفيد استمرار التفاؤل غير الواقعي حيال الإصابة أن الرسائل التوعوية التي تكتفي بعرض نسب الخطر العامة قد لا تخترق هذا الدرع النفسي، وأن مخاطبة الأفراد بما يجعل الخطر شخصيًا وملموسًا أقرب إلى تعديل تقديراتهم وسلوكهم الوقائي، كما يفيد غياب التفاؤل في مجالات انعدام السيطرة أن الناس أكثر واقعية حين يتعلق الأمر بنتائج لا يملكون دفعها، وهو ما يمكن توظيفه في تصميم رسائل اللقاحات والوقاية، وتفتح الدراسة الباب أمام بحوث لاحقة في سياقات ثقافية أخرى وعبر موجات أزمات مستقبلية، للتحقق من ثبات هذه الأنماط ومن أثر الخبرة الشخصية بالفقد في إعادة تشكيل إدراك الخطر
ويستدعي التمييز الذي أظهرته النتائج بين مجالي الإصابة ونتائج المرض وقفة نظرية، فالإصابة حدث يمكن للفرد أن يتوهم تأثيرًا في احتماله عبر احتياطاته الشخصية، فيتسع مجال التفاؤل غير الواقعي، أما شدة المسار المرضي وردود فعل اللقاح فنتائج تحكمها عوامل بيولوجية وطبية خارجة عن إرادة الفرد إلى حد بعيد، فينكمش مجال التفاؤل ويحل محله تقدير أقرب إلى الواقعية، ويتسق هذا التمايز مع فكرة أن التفاؤل غير الواقعي يزدهر حيث تتوهم السيطرة وينحسر حيث تنعدم، أما استثناء من عرفوا متوفين شخصيًا فيشير إلى قوة الخبرة المباشرة بالفقد في اختراق الدرع النفسي وإعادة معايرة إدراك الخطر، وهي ملاحظة ذات قيمة لاتصال المخاطر إذ توحي بأن الشهادات والخبرات القريبة أبلغ أثرًا من الإحصاءات المجردة، وتبقى نتائج الدراسة مقيدة بسياقها البولندي وبمرحلتيها الزمنيتين، ما يدعو إلى مقارنات ثقافية ومتابعات طولية أوسع لتتبع مصير هذا التفاؤل في الأزمات الصحية المستقبلية ومدى انعكاسه في السلوك الوقائي الفعلي
وخلاصة القول إن التفاؤل غير الواقعي تجاه الإصابة بفيروس كورونا ثبت واستمر عبر موجتي الجائحة الثانية والثالثة في بولندا، بينما غاب حيث تنعدم سيطرة الفرد على الحدث، فيما شكلت معرفة متوفى شخصيًا استثناءً لافتًا، وهي نتائج تفسرها آليتا حماية تقدير الذات وتقليل التهديد النفسي، وتوجه القائمين على اتصال المخاطر إلى رسائل أكثر تخصيصًا وواقعية
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








