تشهد مجتمعات التعلم عبر الإنترنت انتشارًا واسعًا بوصفها بيئات تفاعلية يتشارك فيها المتعلمون المعرفة ويبنونها جماعيًا، ويعد إبداع المستخدمين داخل هذه المجتمعات مؤشرًا حيويًا على حيويتها وقدرتها على الاحتفاظ بأعضائها ورفع كفاءة تعلمهم، غير أن البحوث السابقة ركزت في معظمها على فاعلية التعلم التعاوني وابتكاريته من زاوية النواتج، وأغفلت نسبيًا أثر العوامل البيئية، وفي مقدمتها فريق التعلم وأعضاؤه، في حماس المستخدمين للإبداع وفي إبداعهم الفعلي، ومن هنا سعت هذه الدراسة إلى كشف آلية تأثير عوامل فريق التعلم في إبداع المستخدمين داخل مجتمعات التعلم عبر الإنترنت
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف كيفية تأثير عوامل فريق التعلم، ممثلة في الحضور الاجتماعي والتعلم بالملاحظة، في إبداع المستخدمين داخل مجتمعات التعلم عبر الإنترنت، مع اختبار الدور الوسيط لكل من الكفاءة الذاتية والدافعية الداخلية في هذه العلاقة، وبنت الدراسة نموذجًا نظريًا يربط بين هذه المتغيرات في مسارات متتابعة، ثم تحققت من النموذج إمبيريقيًا باستخدام بيانات جمعت من اثنين وأربعين ومئتي مستخدم لمجتمعات التعلم عبر الإنترنت، كما فحصت الدراسة الأدوار المعدِّلة لثلاثة عوامل سياقية هي صعوبة التخصص البحثي الذي يعمل فيه الفريق، ومستوى أعضاء الفريق، والحوافز المقدمة، بما يقدم صورة أدق للشروط التي تتقوى فيها العلاقات المفترضة أو تضعف
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الحضور الاجتماعي والتعلم بالملاحظة يؤثران إيجابيًا في العوامل الدافعية لدى المستخدمين، وفي مقدمتها الكفاءة الذاتية والدافعية الداخلية، وأن هذه العوامل الدافعية تعزز بدورها إبداع المستخدمين داخل مجتمعات التعلم عبر الإنترنت، بما يؤكد أن أثر فريق التعلم في الإبداع يمر عبر قنوات نفسية دافعية لا يعمل مباشرة بمعزل عنها، كما تبين أن هذه التأثيرات لا تعمل بمعزل عن السياق، إذ يعدِّلها مستوى صعوبة التخصص البحثي الذي ينتمي إليه الفريق، ومستوى أعضاء الفريق أنفسهم، وطبيعة الحوافز المتاحة، فتتفاوت قوة العلاقات بين الحضور الاجتماعي والتعلم بالملاحظة من جهة والدافعية والإبداع من جهة أخرى تبعًا لهذه الشروط، وهو ما يضفي على النموذج المقترح واقعية تطبيقية تتجاوز العلاقات الخطية البسيطة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة إسهامًا نظريًا ببنائها نموذجًا يفسر آلية تشكل إبداع المستخدمين في مجتمعات التعلم عبر الإنترنت انطلاقًا من بيئة الفريق وعبر وساطة الدافعية، وتقدم في الوقت ذاته توجيهات عملية لمصممي هذه المجتمعات ومديريها، إذ تشير إلى أهمية تنمية الحضور الاجتماعي بين الأعضاء عبر التفاعل المستمر والتغذية الراجعة، وإتاحة فرص التعلم بالملاحظة من خلال عرض أعمال الأقران ونماذجهم المميزة، والعناية بتشكيل الفرق ومراعاة مستويات أعضائها وتوظيف الحوافز بوعي، بما يرفع كفاءة الذات لدى المستخدمين ويغذي دافعيتهم الداخلية، فتنعكس هذه الشروط مجتمعة في مستويات أعلى من الإبداع والمشاركة والولاء للمجتمع التعليمي
وتتضح الآلية التي كشفتها الدراسة أكثر حين نتأمل طبيعة المتغيرات الوسيطة، فالكفاءة الذاتية تعني إيمان المستخدم بقدرته على إنجاز مهام إبداعية داخل المجتمع، والدافعية الداخلية تعني انخراطه في النشاط لذاته لا لمكافأة خارجية، ويغذي الحضور الاجتماعي هذين العاملين بما يوفره من شعور بالانتماء والاعتراف المتبادل، بينما يغذيهما التعلم بالملاحظة بما يقدمه من نماذج واقعية لأعمال الأقران ومسارات تفكيرهم، فيقتنع المستخدم بأن الإبداع قابل للتعلم والمحاكاة، أما العوامل المعدِّلة فتضيف طبقة من الواقعية إلى هذا التصور، فصعوبة التخصص البحثي قد ترفع سقف التحدي فتضعف الدافعية أو تحفزها بحسب الموارد المتاحة، ومستوى أعضاء الفريق يحدد جودة النماذج المتاحة للملاحظة، والحوافز قد تدعم الدافعية أو تزاحمها إن صيغت بغير عناية، ومن ثم فإن إدارة مجتمعات التعلم عبر الإنترنت إدارة ناجحة للبيئة الاجتماعية والمعرفية معًا، تشكل الفرق بعناية، وتهيئ فرص التفاعل والعرض المتبادل للأعمال، وتصمم حوافز تعزز الدافعية الداخلية ولا تستبدلها، وهو ما يجعل نتائج الدراسة خريطة عملية قابلة للتطبيق في منصات التعلم الجماعي بمختلف تخصصاتها ومستوياتها
وخلاصة القول إن إبداع المستخدمين في مجتمعات التعلم عبر الإنترنت ثمرة لتفاعل بيئة فريق التعلم مع دوافع الأفراد، فالحضور الاجتماعي والتعلم بالملاحظة يعززان الكفاءة الذاتية والدافعية الداخلية، وهما بدورهما يرفعان الإبداع، وتتأثر هذه المسارات بصعوبة التخصص ومستوى الأعضاء والحوافز، بما يجعل تصميم بيئة الفريق مدخلًا عمليًا أصيلًا لتنمية الإبداع في التعلم الإلكتروني، ولرفع كفاءة التعلم وجودته واستدامة مشاركة المستخدمين في البيئات الرقمية التفاعلية








