يحتل برنامج رعاية الأطفال موقعًا مهمًا في تعزيز الرفاه الموضوعي والذاتي للمنتسبين إليه من الأطفال والمراهقين، إذ يوفر دعمًا مستمرًا لفئات تعاني التهميش والحرمان، وتؤكد تدخلات الخدمة الاجتماعية مناهج علمية تستهدف تمكين الفئات المهمشة وتحسين جودة حياتها النفسية والاجتماعية، وتناولت هذه الدراسة بحثًا تدخليًا أجري في برنامج بارز لرعاية الأطفال في مدينة كوتشي بولاية كيرالا الهندية، بهدف رفع الرفاه النفسي للمراهقين المنتسبين إلى البرنامج، وبناء نموذج قابل للتطبيق لتدخلات العمل الجماعي في برامج مماثلة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تصميم تدخل اجتماعي جماعي يرفع الرفاه النفسي لمراهقي برنامج الرعاية وتقويم فاعليته تقويمًا كميًا ونوعيًا، وانطلقت من نتائج أولية لدراسة استطلاعية أكدت الحاجة إلى التدخل، ثم صيغت استراتيجية التدخل في ضوء نتائج مسح بأسلوب دلفي، واستثمرت القوة التحويلية لمجموعات الأقران في تنفيذ تدخل بالعمل الجماعي الاجتماعي يستهدف تحسين الرفاه النفسي للمشاركين
واعتمد تقويم التدخل تصميم السلاسل الزمنية المتقطعة بمجموعة مقارنة غير متكافئة، إذ قيس الرفاه النفسي لدى مجموعة التدخل وعددها عشرون مشاركًا ولدى مجموعة المقارنة وعددها عشرون مشاركًا وقورنت القياسات بينهما، واستخدم مقياس ريف للرفاه النفسي المكون من اثنتين وأربعين فقرة أداة للقياس، وأكدت الإحصاءات الوصفية التوزيع الطبيعي لبيانات خط الأساس لدى جميع المشاركين الأربعين، واختبرت الفروق بتحليل التباين للقياسات المتكررة في برنامج إس بي إس إس، ورافق ذلك تصميم نوعي للتقويم المستمر لعملية التدخل يوفر رؤى لتحسين البرنامج ويوثق نتائجه
ثانيًا: أبرز النتائج
أيد تحليل التباين للقياسات المتكررة الفرضية البديلة للدراسة، إذ أظهر فروقًا دالة إحصائيًا في قياسات الرفاه النفسي عبر الزمن داخل مجموعة التدخل، وفروقًا دالة بين مجموعة التدخل ومجموعة المقارنة، ما يشير إلى أن التحسن المرصود ارتبط بالتدخل الجماعي المنفذ ولم يكن مجرد تغير زمني عام يصيب الجميع بالقدر نفسه، وبذلك توافر دليل إحصائي على فاعلية التدخل في رفع الرفاه النفسي للمراهقين المشاركين
وإلى جانب الدليل الإحصائي، وفر التقويم النوعي المستمر لعملية التدخل رؤى عملية عن كيفية سير الجلسات وتفاعل المشاركين واستجابتهم لأنشطة المجموعة، وهي رؤى تفيد في تحسين البرنامج وتطويره، وتجعل الخبرة الميدانية مصدرًا للتعلم لا يقل أهمية عن النتائج الرقمية، فاجتمع في الدراسة دليل الأثر ودليل العملية في صورة متكاملة عن التدخل وجدواه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
بتحديدها نموذجًا لتدخل العمل الجماعي بين مراهقي برامج رعاية الأطفال لتحسين رفاههم النفسي، تؤكد الدراسة الدور المهم لتدخلات الخدمة الاجتماعية في تمكين الفئات المهمشة، إذ يقدم النموذج خطوات قابلة للنقل إلى برامج رعاية أخرى تعمل مع مراهقين في ظروف مشابهة، من تشخيص الحاجة بدراسة استطلاعية، إلى بناء الاستراتيجية بخبرة جماعية، إلى التنفيذ عبر مجموعات الأقران، إلى التقويم المزدوج الكمي والنوعي
كما تفيد النتائج القائمين على برامج الرعاية والممارسين الاجتماعيين في إدراك أن الرفاه النفسي للمراهقين المستفيدين ليس حصيلة تلقائية للدعم المادي، بل يحتاج إلى تدخلات نفسية اجتماعية مخططة تستثمر طاقة المجموعة وديناميات الأقران، وتدعو الدراسة إلى توثيق مثل هذه التدخلات وتقويمها بمنهجية صارمة، حتى تتراكم أدلة الممارسة المبنية على البراهين في مجال الخدمة الاجتماعية وتتحسن جودة الخدمات المقدمة للفئات الأشد احتياجًا
ويلاحظ أن بناء التدخل نفسه جاء ثمرة مسار تشاركي منظم، فقد بدأ الباحثون من أدلة دراسة استطلاعية شخصت الحاجة الفعلية لدى المراهقين، ثم بلوروا الاستراتيجية عبر مسح بأسلوب دلفي استطلع آراء الخبراء حتى استقرت الاستراتيجية على صيغة قابلة للتنفيذ، ثم جاء التنفيذ معتمدًا على مجموعات الأقران لما لها من قوة تحويلية في سلوك المراهقين واتجاهاتهم، فاكتملت بذلك حلقة متصلة بين التشخيص والتخطيط والتنفيذ والتقويم، تجعل من النموذج المقترح إطارًا منهجيًا متكاملًا لا مجرد نشاط تدخلي عابر، وتمنحه قابلية أعلى للتوثيق والتكرار في سياقات مؤسسية أخرى تعمل مع فئات عمرية وظروف اجتماعية متقاربة، لا سيما حين تتوافر لها قيادة مهنية مدربة ومتابعة منهجية توثق الجلسات ونتائجها أولًا بأول
وخلاصة القول إن هذه الدراسة أثبتت أن تدخلًا منظمًا بالعمل الجماعي الاجتماعي قادر على إحداث فروق دالة في الرفاه النفسي لمراهقي برامج رعاية الأطفال، وقدمت نموذجًا موثقًا يجمع بين البناء العلمي للتدخل والتقويم الدقيق لأثره، بما يعزز مكانة البحث التدخلي في تطوير ممارسات الخدمة الاجتماعية مع الفئات المهمشة
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز








