يُعد هامش سعر الفائدة المصرفي من المؤشرات الجوهرية في عمل القطاع المصرفي، إذ يعكس الفرق بين ما تتقاضاه المصارف على الإقراض وما تدفعه على الودائع، ويرتبط ارتباطًا مباشرًا بكفاءة الوساطة المالية وبكلفة التمويل المتاحة للأفراد والشركات، وتزداد أهمية فهم العوامل المؤثرة في هذا الهامش في اقتصادات المراحل الانتقالية التي تشهد تحولات هيكلية متسارعة في أنظمتها المالية، ومن هذا المنطلق تناولت هذه الدراسة هامش سعر الفائدة في ست من دول غرب البلقان، سعيًا إلى التمييز بين أثر العوامل الاقتصادية الكلية وأثر العوامل الخاصة بالمصارف ذاتها في تشكيل هذا الهامش عبر فترة زمنية ممتدة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص أثر مجموعتين من العوامل في هامش سعر الفائدة المصرفي، هما العوامل الاقتصادية الكلية مثل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ومعدل البطالة، والعوامل الخاصة بالمصارف مثل درجة التركز المصرفي ومؤشرات الأداء والقروض المتعثرة، وذلك في ست من دول غرب البلقان تُعرف اختصارًا بمجموعة غرب البلقان الست، وتنبع أهمية هذا الهدف من وجود فجوة في الأدبيات السابقة التي قلّما تناولت التفاعل المتزامن بين هاتين المجموعتين من العوامل في اقتصادات المراحل الانتقالية على وجه الخصوص
اعتمدت الدراسة منهجًا قياسيًا كميًا طبّقت فيه نموذج الانحدار الذاتي المتجهي للبيانات الطولية المدمجة، وحلّلت أثر كل مجموعة من العوامل على حدة عبر مجموعتين من بيانات اللوحات غطتا الفترة من عام 2005 إلى عام 2022، واستند التحليل إلى بيانات 110 مصارف عاملة في دول المنطقة، بما أتاح رصد التطورات عبر الزمن والمقارنة بين المصارف والدول في آن واحد، والكشف عن قنوات التأثير المتبادل بين المتغيرات الاقتصادية والمصرفية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج النموذجين أن هامش سعر الفائدة يتأثر تأثرًا دالًا بنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي وبمعدل البطالة، بما يعني أن الظروف الاقتصادية العامة في الدولة تنعكس بصورة مباشرة على تسعير المصارف لخدماتها الائتمانية، فكلما تغير مستوى الدخل والنشاط الاقتصادي وفرص العمل تغير معه الهامش الذي تفرضه المصارف بين سعري الإقراض والإيداع
في المقابل أظهرت عوامل أخرى، مثل التركز المصرفي ومؤشرات الأداء والقروض المتعثرة، آثارًا مباشرة محدودة في هامش سعر الفائدة ضمن النماذج المقدرة، وهي نتيجة تحمل دلالة مهمة مفادها أن خصائص المصرف الفردية ليست هي المحرك الأقوى للهامش في هذه البيئة، وأن البيئة الاقتصادية الكلية تظل صاحبة التأثير الأبرز في المدى الذي تغطيه البيانات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تملأ الدراسة فجوة موثقة في الأدبيات المالية بتأكيدها أن المتغيرات الاقتصادية الكلية والمتغيرات الخاصة بالمصارف يمكن أن تؤثر في هامش سعر الفائدة في اقتصادات المراحل الانتقالية في وقت واحد، وتبرز الخصائص المميزة للديناميكيات المالية في دول غرب البلقان الست، وتبين أهمية إدراك سمات القطاع المصرفي في المنطقة عند تفسير سلوك التسعير الائتماني ومقارنته بمناطق أخرى
وتفيد نتائج الدراسة الجهات الرقابية المصرفية وواضعي السياسات في منطقة غرب البلقان ممن يسعون إلى بناء بيئة مصرفية كفؤة وتنافسية، إذ توجه انتباههم إلى أن معالجة هامش سعر الفائدة لا تنفصل عن تحسين المؤشرات الاقتصادية العامة ورفع مستويات الدخل وخفض البطالة، كما تسهم في النقاشات الأكاديمية والسياساتية حول أهمية الاستقرار المالي والتنافسية السوقية في تحديد هامش سعر الفائدة المصرفي
وتضيف الدراسة إلى النقاش الأكاديمي والسياساتي حول دور الاستقرار المالي والتنافسية السوقية في تحديد هامش سعر الفائدة، مؤكدة أن فهم الهامش لا يكتمل بالنظر إلى قوائم المصارف المالية وحدها، بل يتعين ربطه بالصورة الأوسع للأداء الاقتصادي الكلي ومؤشراته الدورية، كما تلفت إلى أن خصائص القطاع المصرفي في دول غرب البلقان الست، من حيث حجمه وبنيته ودرجة تطوره، تجعل تجربتها حالة ذات دلالة خاصة لاقتصادات المراحل الانتقالية المشابهة، إذ يمكن أن تستفيد تلك الاقتصادات من دروس المنطقة في إدارة العلاقة بين السياسات الاقتصادية العامة وتسعير الائتمان المصرفي وتوجيه المنافسة في السوق المصرفية
وخلاصة القول إن هامش سعر الفائدة المصرفي في دول غرب البلقان يتشكل في المقام الأول بفعل البيئة الاقتصادية الكلية، ولا سيما نصيب الفرد من الناتج المحلي ومعدل البطالة، بينما يبقى أثر العوامل الخاصة بالمصارف محدودًا، ومن ثم فإن أي سياسة تستهدف هامشًا أكثر كفاءة وتنافسية ينبغي أن تنطلق من فهم هذا الترتيب في الأولويات ومن الخصائص المميزة للقطاع المصرفي في المنطقة








