تشير دراسات سابقة إلى أن خبرة التعلم تؤثر في الانخراط الأكاديمي للطلاب، وأن الكفاءة الذاتية تتوسط العلاقة بينهما، وأن الأنواع الفرعية للكفاءة الذاتية متميزة وتؤدي أدوارًا مختلفة، غير أن الأدوار المختلفة لهذه الأنواع الفرعية، ولا سيما في بيئات التعلم المدمج، لم تُستكشف بعد بما يكفي، وفي هذا السياق بحثت هذه الدراسة في الآلية المحتملة لأنواع الكفاءة الذاتية الفرعية في العلاقة بين خبرة التعلم والانخراط الأكاديمي في بيئة فصل دراسي ذكي في ظل خلفية جائحة كورونا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
تطوع للمشاركة في الدراسة 308 مشاركين أكملوا الاستبانة التي تضمنت مقاييس خبرة التعلم والكفاءة الذاتية والانخراط الأكاديمي، وحُللت البيانات لاختبار أثر خبرة التعلم في الانخراط الأكاديمي، وأدوار الأنواع الفرعية للكفاءة الذاتية في هذه العلاقة، إذ ميزت الدراسة بين أنواع فرعية متعددة للكفاءة الذاتية بدل التعامل معها بناءً أحاديًا، ليتسنى تحديد أيها يحمل أثر خبرة التعلم إلى الانخراط وأيها لا يؤدي هذا الدور
وتنبع دقة التصميم من أن الفصول الذكية بيئة تعلم غنية بالتقنية تتعدد فيها مصادر الخبرة، من تفاعل مباشر مع المعلم إلى أدوات رقمية ومحتوى تفاعلي، ومن ثم فإن أثر هذه الخبرة المركبة في انخراط الطلاب لا يمر عبر قناة نفسية واحدة، بل عبر اعتقادات الطالب حول قدرته على أداء مهام بعينها دون غيرها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن خبرة التعلم تؤثر تأثيرًا كبيرًا في الانخراط الأكاديمي للطلاب، وأن الأنواع الفرعية للكفاءة الذاتية تؤدي أدوارًا مختلفة في العلاقة بين خبرة التعلم والانخراط الأكاديمي، فلم تتوسط جميعها العلاقة، بل توسطتها الكفاءة الذاتية الأكاديمية والكفاءة الذاتية السلوكية وحدهما، فعبرهما تنتقل جودة خبرة التعلم في الفصل الذكي إلى انخراط أكاديمي أعلى لدى الطلاب
ويعني هذا التمايز أن اعتقاد الطالب بقدرته على إنجاز المهام الأكاديمية وتنظيم سلوكه التعليمي هو القناة الفاعلة التي تحول الخبرة الجيدة إلى مشاركة وانخراط، في حين لا تؤدي الأنواع الفرعية الأخرى الدور ذاته، وهو ما يضفي دقة عملية على جهود تعزيز الانخراط، إذ يحدد لها الهدف النفسي الصحيح الذي ينبغي العمل عليه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل نتائج الدراسة دلالات محددة لإنشاء بيئة تعلم مدمج مستدامة وتعزيز الانخراط الأكاديمي للطلاب، إذ توجه مصممي بيئات التعلم الذكية والمعلمين إلى بناء خبرات تعلم تغذي الكفاءة الذاتية الأكاديمية والسلوكية تحديدًا، عبر مهام متدرجة وتغذية راجعة داعمة وفرص نجاح متكررة، بدل الاكتفاء بإغناء البيئة بالتقنيات دون تخطيط لآثارها النفسية في المتعلمين
وتفتح النتائج آفاقًا لبحوث لاحقة تختبر أدوار أنواع الكفاءة الذاتية الفرعية في بيئات تعلم مدمجة وذكية مختلفة، وتتتبع تطور الانخراط عبر الزمن، وتربط خبرة التعلم بمؤشرات أداء موضوعية تتجاوز التقارير الذاتية
وتحمل هذه الدراسة رسالة دقيقة لمصممي بيئات التعلم الذكية الذين يميلون أحيانًا إلى الافتتان بالإمكانات التقنية للفصول المجهزة بالشاشات التفاعلية وأدوات التحليل الفوري، فالتقنية مهما تطورت لا تنتج انخراطًا أكاديميًا بذاتها، بل عبر ما تبنيه في نفوس الطلاب من اعتقادات حول قدراتهم، وقد حددت الدراسة بدقة أي هذه الاعتقادات هو الفاعل، فالكفاءة الذاتية الأكاديمية المتعلقة بإنجاز المهام الدراسية والفهم والتحصيل، والكفاءة الذاتية السلوكية المتعلقة بتنظيم الذات وإدارة السلوك التعليمي، هما اللتان نقلتا أثر خبرة التعلم إلى الانخراط، بينما لم تفعل الأنواع الأخرى ذلك، وهذا التحديد يوجه جهد المعلم والمصمم معًا، فينبغي أن تُبنى خبرات الفصل الذكي على نجاحات متدرجة يلمس فيها الطالب تقدمه بنفسه، وأن تصاحبها تغذية راجعة محددة تخبر الطالب بما أتقنه وما خطوته التالية، وأن تُمنح له فرص لممارسة التنظيم الذاتي لتعلمه داخل بيئة داعمة، وبذلك تتحول الفصول الذكية من قاعات غنية بالأجهزة إلى بيئات غنية بالمعنى النفسي الدافع للمشاركة، وتتأسس استدامة التعلم المدمج على أساس نفسي متين لا على حداثة الأجهزة وتنوعها وحدها
وجدير بالذكر أن إجراء الدراسة في ظل خلفية جائحة كورونا يضفي على نتائجها بعدًا إضافيًا، فقد تسارع في تلك الفترة الانتقال نحو الفصول الذكية والتعلم المدمج تحت ضغط الضرورة، فجاءت النتائج شاهدة على أن نجاح هذا الانتقال القسري لم يكن رهن توفر التقنية وحده، بل بقدرة البيئات الجديدة على توليد خبرات تعلم تغذي إحساس الطلاب بكفاءتهم وانخراطهم رغم ظروف الاستثنائية والقلق العام
وخلاصة القول إن خبرة التعلم في الفصل الدراسي الذكي تعزز الانخراط الأكاديمي للطلاب، وإن الكفاءة الذاتية الأكاديمية والسلوكية وحدهما تتوسطان هذه العلاقة من بين أنواع الكفاءة الذاتية الفرعية، بما يجعل تنميتهما مدخلًا دقيقًا لبناء بيئات تعلم مدمج مستدامة ورافعة لانخراط الطلاب








