واجه الموظفون الحكوميون ضغوط مساءلة كبيرة أثناء حالات الطوارئ العامة، وقد تجلى ذلك بوضوح خلال الجائحة، غير أن العوامل المؤثرة في ضغط المساءلة ما تزال بحاجة إلى الفحص والدراسة، فبينما تتطلب الطوارئ سرعة في اتخاذ القرار ومرونة في الإجراءات، تشتد في المقابل رقابة الجمهور والجهات الإشرافية على أداء الجهاز الحكومي، فيجد الموظف نفسه بين مطرقة الاستعجال وسندان المحاسبة، وفي هذا السياق سعت هذه الدراسة إلى بيان العوامل المؤثرة في ضغط المساءلة الذي يشعر به الموظفون الحكوميون عند مواجهة الطوارئ
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
حاولت الدراسة إثبات أن نظرية الضغط لروبنز تقدم إطارًا مفاهيميًا مفيدًا لفهم كيفية تأثير العوامل المختلفة في ضغط المساءلة، وطبقت منهج الانحدار باستخدام بيانات مسح أولية، لاستقصاء كيفية تأثير كل من الضغط الخارجي، وقدرة الموظفين الحكوميين، والوعي بالمساءلة، والتواصل بين الرؤساء والمرؤوسين في ضغط المساءلة في ظل طارئة الجائحة، بما أتاح اختبار العلاقات المفترضة بين هذه العوامل اختبارًا كميًا منظمًا
ويميز تصميم الدراسة بين عوامل تضغط باتجاه تصعيد الشعور بالمساءلة وعوامل تعمل على تخفيفه، فالضغط الخارجي القادم من الجمهور ووسائل الإعلام والجهات الرقابية يرفع حساسية الموظف للمحاسبة، في حين قد تعمل القدرة المهنية والتواصل الداخلي السليم دور المخفف الذي يمنح الموظف ثقة ووضوحًا في أداء مهامه
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الضغط الخارجي أثر إيجابيًا في ضغط المساءلة، أي إنه كلما اشتد الضغط الخارجي ازداد شعور الموظفين الحكوميين بوطأة المساءلة، في حين أثرت قدرة الموظفين الحكوميين تأثيرًا سلبيًا في ضغط المساءلة، وكذلك أثر التواصل بين الرؤساء والمرؤوسين تأثيرًا سلبيًا، بمعنى أن ارتفاع القدرة المهنية وجودة التواصل الداخلي يخففان من شعور الموظف بضغط المساءلة، كما أدى الوعي بالمساءلة دورًا معدِّلًا سلبيًا في أثر الضغط الخارجي في ضغط المساءلة، فكلما ارتفع وعي الموظف بمتطلبات المساءلة ضعف أثر الضغط الخارجي عليه
وتبين من النتائج أن ضغط المساءلة ليس محصلة للضغوط الخارجية وحدها، بل يتشكل بتفاعلها مع موارد داخلية يمتلكها الموظف والمؤسسة، كالكفاءة المهنية ووضوح قنوات التواصل وفهم طبيعة المساءلة ذاتها، وهو ما يفسر تباين شعور الموظفين بالضغط رغم تعرضهم للظرف الطارئ نفسه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسهم الدراسة في قاعدة بحثية ما تزال محدودة حول ضغوط المساءلة في القطاع العام أثناء الطوارئ، وتقدم اقتراحًا عمليًا مفاده أن ضغط المساءلة يمكن تخفيفه من خلال التدريب والتعلم المحسَّنين، وتفيد نتائجها إدارات الأجهزة الحكومية في بناء قدرات موظفيها قبل الأزمات، وتحسين التواصل بين المستويات الإدارية، ورفع الوعي بمتطلبات المساءلة ومعاييرها بحيث يصبح الموظف مستعدًا لها بدل أن يفاجأ بها تحت ضغط الطارئة
وتفتح النتائج آفاقًا لبحوث لاحقة تتناول ضغط المساءلة في أنواع أخرى من الطوارئ غير الصحية، وتدرس أثره في جودة القرارات الحكومية وسرعتها، وتقارن تجارب الأجهزة الحكومية عبر دول وثقافات إدارية مختلفة
وتقدم الدراسة بذلك إسهامًا في فهم إدارة الأزمات الحكومية من زاوية نفسية تنظيمية كثيرًا ما تغيب عن التحليلات التي تركز على الهياكل والإجراءات وحدها، فالموظف الحكومي الذي يعمل تحت ضغط مساءلة مرتفع قد يتردد في اتخاذ القرارات الاستثنائية التي تتطلبها الطوارئ، أو يلجأ إلى الإجراءات الدفاعية التي تحميه من اللوم ولو على حساب سرعة الاستجابة العامة، ومن ثم فإن تخفيف هذا الضغط ليس ترفًا إداريًا بل شرط لفاعلية الاستجابة ذاتها، وقد حددت الدراسة روافع عملية لهذا التخفيف، فبناء قدرة الموظفين عبر التدريب المسبق على سيناريوهات الطوارئ يمنحهم ثقة تخفف شعورهم بالوطأة، وتحسين التواصل بين المستويات الإدارية يزيل الغموض حول المسؤوليات والصلاحيات وهو أحد أكبر مصادر القلق أثناء الأزمات، ورفع الوعي بالمساءلة يحولها من تهديد غامض إلى قواعد مفهومة يمكن العمل في إطارها بثقة، وبجمع هذه الروافع تستطيع الأجهزة الحكومية أن تحافظ على معايير المحاسبة الضرورية لثقة الجمهور دون أن تدفع موظفيها إلى الشلل القراري في اللحظات التي تكون فيها الحاجة إلى الحسم في أقصاها
وخلاصة القول إن ضغط المساءلة لدى الموظفين الحكوميين في مواجهة الطوارئ يرتفع باشتداد الضغط الخارجي، ويخف بارتفاع قدرة الموظفين وجودة التواصل بين الرؤساء والمرؤوسين، ويعدِّل الوعي بالمساءلة هذا الأثر تخفيفًا، بما يجعل التدريب والتعلم المحسَّنين مدخلًا عمليًا لإدارة ضغوط المساءلة في الأزمات
هل تحتاج إلى دعم متخصص في بحثك؟
يمكنك طلب الخدمة مباشرة عبر حساب الباحث، وسيتابع معك فريق مؤسسة النظم طلبك خطوة بخطوة حتى اكتمال الإنجاز
