يُعد شباب إسبانيا من بين الأكثر تأهيلًا وتدريبًا في الاتحاد الأوروبي، غير أنهم على الرغم من مؤهلاتهم العالية يواجهون عوائق كثيرة في سوق العمل تحول دون حصولهم على وظائف مجزية، وقد زادت جائحة كورونا من حدة هذا الواقع، إذ أدى نقص الفرص المهنية المتاحة للخريجين الشباب إلى دفع أعداد متزايدة منهم إلى تولي زمام أمورهم بأنفسهم وممارسة التنقل للعمل في الخارج، وفي هذا السياق تناولت هذه الدراسة مفهوم المرونة النفسية الاستباقية لدى حملة الدراسات العليا الإسبان الذين خاضوا تجارب تنقل سابقة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص مفهوم المرونة النفسية الاستباقية وإبراز الكيفية التي تدفع بها حالة الهشاشة المهنية الشباب إلى التنقل هربًا من الاستضعاف وبحثًا عن فرص تحسين حياتهم المهنية، وقد استندت إلى دراسة نوعية شملت 50 من حملة الدراسات العليا الإسبان ممن لديهم تجارب سابقة في التنقل، فحللت تجاربهم ومساراتهم المهنية تحليلًا معمقًا أتاح فهم الدوافع والظروف التي شكلت قراراتهم بالانتقال إلى الخارج
وتنتمي الدراسة إلى أدبيات جغرافيا الشباب، وتسعى إلى الإسهام فيها من خلال تقديم قراءة جديدة لعلاقة المرونة النفسية بالهشاشة، إذ لا تتعامل مع المرونة بوصفها سمة فردية ثابتة فحسب، بل بوصفها قوة دافعة تنشأ في سياق الظروف الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بالشباب، وتتفاعل مع مستويات تأهيلهم وطموحاتهم المهنية
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت الدراسة إلى أن المرونة النفسية الاستباقية هي في آن واحد جزء من الهشاشة ونتاج لها، وأنها تعمل محركًا يدفع حملة الدراسات العليا الشباب إلى ممارسة التنقل بحسب ظروفهم، وتتجلى في صورتين رئيسيتين، أولاهما مرونة استباقية للبحث عن فرص للعمل في الخارج بما يتوافق مع مستوى تأهيلهم العلمي والمهني، وثانيتهما مرونة استباقية للتنقل بدعم من المنح الدراسية لمواصلة التدريب والتأهيل، أو بعد اجتياز الاختبارات التنافسية التي تفتح أمامهم مسارات مهنية جديدة
كما أظهرت الدراسة أن الجائحة عمقت شعور الشباب بالهشاشة المهنية داخل بلادهم، وأن التنقل لم يكن مجرد خيار عابر بل استراتيجية واعية للهروب من الاستضعاف والسعي إلى تحسين الأوضاع المهنية، وأن تجارب التنقل ذاتها أعادت تشكيل تصورات الشباب لذواتهم وقدراتهم على التكيف مع بيئات عمل وثقافات مختلفة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسهم نتائج الدراسة في تطوير الإطار المفاهيمي لتنقل الشباب في مرحلة ما بعد الجائحة، إذ تقدم مفهوم المرونة النفسية الاستباقية بوصفه عدسة تفسيرية لم تُبحث من قبل بهذه الصورة، وتقترح مسارات جديدة للبحث المستقبلي في تنقل الشباب المؤهل، كما تحمل دلالات لصناع السياسات المعنيين بتشغيل الشباب، إذ تلفت الانتباه إلى أن فقدان الكفاءات الشابة عبر الهجرة المهنية يرتبط بظروف سوق العمل المحلي وبمدى توفر الفرص المجزية لحملة المؤهلات العليا
وتدعو الدراسة إلى مزيد من البحث في كيفية اختلاف المرونة الاستباقية باختلاف التخصصات والمستويات التأهيلية والظروف الأسرية والاجتماعية، وفي آثار التنقل الطويلة في المسارات المهنية للعائدين والمقيمين في الخارج على حد سواء
ويكتسب هذا التحليل أهميته من كونه يعيد قراءة ظاهرة هجرة الكفاءات الشابة قراءة لا تختزلها في دوافع اقتصادية مباشرة كالبحث عن أجر أعلى، بل تضعها في سياقها الأوسع من هشاشة سوق العمل وتآكل الشعور بالأمان المهني لدى جيل كامل من المؤهلين، فالشاب الذي يستثمر سنوات طويلة في التعليم العالي ثم لا يجد موطئ قدم يليق بتأهيله في بلده يعيد حساباته جذريًا، فيصبح التنقل الخارجي فعل مقاومة فردية للهشاشة بقدر ما هو بحث عن فرصة، وهنا تتجلى المفارقة التي يقف عليها مفهوم المرونة الاستباقية، فالهشاشة ذاتها التي تضعف الشاب تدفعه إلى اكتشاف قدرات تكيفية لم يكن ليمارسها لولا الضغط، كتعلم لغات جديدة وبناء شبكات مهنية عابرة للحدود وإعادة تأهيل الذات مهنيًا، غير أن هذه القراءة لا ينبغي أن تبرر استمرار الظروف المنتجة للهشاشة، فالمرونة الفردية ليست بديلًا عن سياسات تشغيل عادلة تستوعب طاقات الشباب المؤهل داخل أوطانهم، وتبقى خسارة الدول المصدرة لكفاءاتها قضية تنموية تستحق المعالجة بالتوازي مع فهم آليات تكيف الشباب أنفسهم
وخلاصة القول إن المرونة النفسية الاستباقية لدى حملة الدراسات العليا الإسبان هي جزء من الهشاشة المهنية ونتاج لها في الوقت ذاته، وإنها المحرك الذي يدفعهم إلى التنقل بحثًا عن فرص عمل تناسب تأهيلهم أو بدعم المنح واجتياز الاختبارات التنافسية، بما يجعلها مفهومًا واعدًا لفهم تنقل الشباب في مرحلة ما بعد الجائحة








