يحتل الانخراط في التعلم مكانة مركزية في جودة إعداد معلمي التربية الخاصة، إذ يرتبط بعمق ما يكتسبه الطالب المعلم من معارف ومهارات وباستعداده لمهنة تتطلب حساسية عالية تجاه ذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، ويتأثر هذا الانخراط بعوامل متداخلة في مقدمتها المناخ الصفي الذي يدركه الطالب، وما يتشكل لديه من هوية مهنية، وما يحمله من توجه نحو المستقبل، غير أن كيفية تفاعل هذه العوامل فيما بينها ما تزال بحاجة إلى نماذج تفسيرية دقيقة تجمع بين الوساطة والتعديل في إطار واحد، ومن هنا تفحص هذه الدراسة العلاقة المعقدة بين إدراك طلاب تخصص التربية الخاصة لأجواء الفصل الدراسي وانخراطهم في التعلم، والدور الوسيط للهوية المهنية والأثر المعدّل للتوجه المستقبلي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقة بين إدراك طلاب تخصص التربية الخاصة لأجواء الفصل الدراسي وانخراطهم في التعلم، واستكشاف الدور الوسيط للهوية المهنية في هذه العلاقة، والأثر المعدّل للتوجه نحو المستقبل فيها، وقد أجري مسح شمل 582 طالبًا من طلاب تخصص التربية الخاصة، استخدمت فيه أدوات قياس شملت مقياس إدراك الطالب لأجواء الفصل ومقياس الانخراط في التعلم ومقياس الهوية المهنية لطلاب الجامعة واستبانة التوجه المستقبلي، ثم نظمت البيانات المحصلة وحللت إحصائيًا باستخدام برنامج إس بي إس إس، بما أتاح اختبار نموذج وساطة معدّلة يجمع المسارات المباشرة وغير المباشرة والمشروطة في تحليل متكامل واحد
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج ثلاث خلاصات رئيسة، فقد تبين أن إدراك طلاب التربية الخاصة لأجواء الفصل الدراسي يتنبأ إيجابيًا بانخراطهم في التعلم، فكلما كانت الأجواء المدركة أكثر إيجابية ازداد انخراط الطلاب في تعلمهم، كما تبين أن الهوية المهنية تؤدي دورًا وسيطًا مهمًا بين إدراك أجواء الفصل والانخراط في التعلم، بما يعني أن جزءًا من أثر الأجواء الصفية ينتقل عبر ما تبنيه من شعور الطالب بانتمائه المهني وتصوره لذاته معلمًا مستقبليًا، وتبين كذلك أن التوجه المستقبلي يعدّل بصورة دالة المسار المباشر بين إدراك الأجواء والانخراط، كما يعدّل النصف الثاني من نموذج الوساطة، أي العلاقة بين الهوية المهنية والانخراط في التعلم، بما يجعل قوة هذه العلاقات مشروطة بمدى وضوح توجه الطالب نحو مستقبله المهني
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تثري هذه النتائج نظرية التربية الخاصة وتقدم دلالات عملية لتحسين جودة إعداد معلميها، إذ تدعو القائمين على برامج الإعداد إلى بناء مناخات صفية داعمة تحفز الانخراط، والعناية المتعمدة بتنمية الهوية المهنية لدى الطلاب المعلمين عبر الخبرات والأنشطة التي تصلهم بمهنتهم المستقبلية، كما تدعو إلى تنمية التوجه المستقبلي لدى الطلاب بوصفه عاملًا يعزز تحويل الأجواء الإيجابية والهوية المهنية إلى انخراط فعلي في التعلم، وبذلك يقدم نموذج الدراسة خريطة عملية للتدخلات التربوية التي تستهدف رفع انخراط معلمي التربية الخاصة قبل الخدمة وتحسين استعدادهم المهني
وتتمثل قيمة هذه الدراسة في نموذجها التفسيري المركب الذي يتجاوز العلاقات الثنائية البسيطة إلى رسم شبكة التأثيرات المباشرة والوسيطة والمشروطة، فيبين لمن يدير برامج إعداد معلمي التربية الخاصة أين يتدخل وبأي أدوات يتدخل، فالأجواء الصفية الإيجابية وحدها لا تكفي إن لم تتحول إلى هوية مهنية راسخة وتوجه مستقبلي واضح لدى الطالب، كما أن اتساع عينة الدراسة وشمولها مئات الطلاب واستخدامها مقاييس متعددة الأبعاد يمنحان نتائجها وزنًا تطبيقيًا في سياق إعداد فئة من المعلمين تتعاظم الحاجة إليهم مع توسع سياسات الدمج التعليمي، وتبرز الدراسة بوجه خاص أن الاستثمار في المناخ الصفي والهوية المهنية استثمار في انخراط الطالب اليوم وفي جودة تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة غدًا، إذ يحمل المعلم المنخرط الواثق بهويته طاقة مهنية تنعكس على تلاميذه مستقبلًا، ويمهد النموذج المقترح لدراسات لاحقة تختبره طوليًا وفي تخصصات وسياقات جامعية أخرى، وتشير الدراسة ضمنيًا إلى أن برامج إعداد معلمي التربية الخاصة تقع على عاتقها مسؤولية مضاعفة، فهي لا تنقل المعرفة والمهارة فحسب، بل تشكل الاتجاهات والهويات التي ستحكم ممارسة المعلم مع فئات تحتاج إلى معلم منخرط واثق متوجه بوضوح نحو مستقبله المهني، ومن ثم فإن مؤشرات الانخراط والهوية والتوجه المستقبلي جديرة بأن تدخل في تقويم جودة هذه البرامج واعتمادها الأكاديمي
وخلاصة القول إن انخراط طلاب التربية الخاصة في التعلم يتشكل بتفاعل أجواء الفصل التي يدركونها وهويتهم المهنية وتوجههم نحو المستقبل، وإن فهم هذه العلاقات الوسيطة والمعدّلة يمنح برامج إعداد المعلمين أساسًا علميًا لتصميم بيئات تعلم أكثر دعمًا، تصنع معلمين أكثر انخراطًا واستعدادًا لخدمة المتعلمين من ذوي الاحتياجات الخاصة








