يحتل التفكير الإبداعي مكانة محورية في التربية المعاصرة بوصفه من الكفايات اللازمة لمتعلمي القرن الحادي والعشرين، ولا يستثنى من ذلك تعليم اللغة الإنجليزية الذي يمكن أن يكون فضاء خصبًا لتنمية الإبداع لدى المتعلمين، وتتضاعف أهمية هذا الموضوع في السياقات التي يهيمن فيها التقويم عالي المخاطر على تعليم اللغات فيضيق هامش التجريب والإبداع داخل الفصل، غير أن تنمية التفكير الإبداعي داخل فصول اللغة لا تتوقف على المناهج والمقررات وحدها، بل تتأثر بدرجة كبيرة بمعتقدات المعلمين وممارساتهم الصفية، فما يحمله المعلم من تصورات حول الإبداع والطالب المبدع ينعكس مباشرة على ما يحدث داخل الفصل، ومن هذا المنطلق سعت هذه الدراسة إلى بحث معتقدات معلمي اللغة الإنجليزية وممارساتهم الصفية فيما يتصل بتدريس التفكير الإبداعي، واستكشاف العوامل التي تعوق هذه الممارسات في سياق المدارس المتوسطة في الصين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف معتقدات معلمي اللغة الإنجليزية حول تدريس التفكير الإبداعي وممارساتهم الفعلية في الفصول، وتحديد العوامل التي تحد من هذه الممارسات، ولتحقيق ذلك اعتمدت الدراسة منهجًا مختلطًا جمعت بياناته من ثلاثة وستين معلمًا للغة الإنجليزية في المدارس المتوسطة في الصين، تراوحت خبرتهم التدريسية بين ثلاث سنوات وأربعين سنة، وجرى اختيارهم طوعًا من أحد برامج تدريب المعلمين، واستخدمت الدراسة الاستبانات والمقابلات شبه المقننة والملاحظة الصفية أدوات لجمع البيانات، بما أتاح تثليثًا منهجيًا يقارن بين ما يعلنه المعلمون من معتقدات وما يمارسونه فعلًا داخل الفصول، ويقف على التطابق أو التباين بين القول والممارسة، وتكمن قيمة هذا التصميم في أنه لا يكتفي برصد المعتقدات المعلنة، بل يتحقق منها في واقع الممارسة الصفية عبر الملاحظة المباشرة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج الدراسة أن المعلمين في مجملهم يولون أهمية لتنمية التفكير الإبداعي وللتربية الإبداعية، ويتخذون خطوات لتعزيز التفكير الإبداعي في دروس اللغة الإنجليزية، غير أن النتائج كشفت في المقابل أن فهم المشاركين للتفكير الإبداعي ولخصائص الطلاب المبدعين قاصر ومتحيز، كما لوحظت ممارسات تدريسية تعوق تنمية التفكير الإبداعي لدى الطلاب بدل أن تدعمه، وقد عزت الدراسة ذلك إلى جملة عوامل في مقدمتها قصور معرفة المعلمين بالتفكير الإبداعي وكيفية تنميته، ووجود معتقدات منفصلة ومتعارضة حول تعليم اللغة الإنجليزية وتعليم التفكير الإبداعي وكأنهما هدفان متنافسان لا متكاملان، إضافة إلى نقص الدعم الذي يتلقاه المعلمون من مجتمع التدريس المحيط بهم
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة رؤى مفيدة لمعلمي اللغة الإنجليزية ومعدي المعلمين وصانعي السياسات التعليمية والباحثين المهتمين بدمج تنمية التفكير الإبداعي في تعليم اللغة الإنجليزية، إذ تنبه إلى أن نقطة البدء الحقيقية هي تطوير فهم المعلمين أنفسهم للإبداع ومعايير الطالب المبدع، بما يصحح التصورات المتحيزة التي قد تدفعهم إلى إغفال مظاهر الإبداع لدى بعض الطلاب، كما تؤكد أهمية تجاوز التعارض المصطنع بين تعليم اللغة وتنمية التفكير، وبناء مجتمعات مهنية داعمة يتبادل فيها المعلمون الخبرات حول ممارسات التربية الإبداعية، وتوصي برامج إعداد المعلمين وتدريبهم بتضمين التفكير الإبداعي مكوّنًا أصيلًا في محتواها وأنشطتها
وتلفت الدراسة الانتباه إلى مفارقة تستحق التأمل، فالمعلمون الذين يقدرون التفكير الإبداعي قد يمارسون دون قصد أساليب تعوقه، وهو ما يعني أن المشكلة ليست في المواقف المعلنة بل في العمق المعرفي والمهاري الذي تستند إليه الممارسة، ومن ثم فإن برامج التطوير المهني الفعالة ينبغي أن تتجاوز المحاضرات التوعوية إلى تدريب عملي يعرض المعلمين لنماذج حية من الدروس المبدعة ويتيح لهم تجريبها وتلقي تغذية راجعة حولها، كما أن بناء مجتمعات تعلم مهنية داخل المدارس يمنح المعلمين فضاء آمنًا لتبادل الخبرات حول الطلاب المبدعين وكيفية التعرف عليهم ورعايتهم، وتظل الحاجة قائمة إلى دراسات لاحقة تتتبع أثر برامج التدريب المصممة في ضوء هذه النتائج في تغيير المعتقدات والممارسات معًا عبر الزمن، كما تبرز الحاجة إلى بحوث تتناول تصورات الطلاب أنفسهم حول الأنشطة الإبداعية داخل فصول اللغة، وتقارن بين سياقات ثقافية مختلفة في معتقدات المعلمين وممارساتهم، بما يعمق فهم الشروط التي تنجح في ظلها التربية الإبداعية أو تتعثر
وخلاصة القول إن معلمي اللغة الإنجليزية يقدرون التفكير الإبداعي ويسعون إلى تنميته، لكن قصور الفهم وغياب الدعم يحدان من ترجمة هذا التقدير إلى ممارسات صفية فاعلة، وهو ما يجعل الاستثمار في معرفة المعلمين ومجتمعاتهم المهنية شرطًا لأي إصلاح جاد في هذا المجال








