تتناول هذه الدراسة كيفية توظيف التوجه نحو الاستدامة الرقمية في تعزيز الممارسات البيئية المستدامة لدى منشآت التصنيع، وتنبع أهميتها من أن تعزيز الممارسات عالية الجودة والصديقة للبيئة في المنشآت في العصر الرقمي أصبح موضوعًا مهمًا في الأوساط العملية والأكاديمية معًا، فقد بنت الدراسة مفهوم التوجه نحو الاستدامة الرقمية من خلال الجمع بين منظورين، هما التوجه الرقمي وتوجه الالتزام بالاستدامة، وأدخلت القدرة الخضراء الرقمية متغيرًا وسيطًا في العلاقة بين هذا التوجه والممارسات البيئية المستدامة، كما بنت نموذجًا لآلية الدفع التي تحرك هذه الممارسات آخذة في الحسبان الدور التعديلي للمسح البيئي، وهو رصد المنشأة لبيئتها الخارجية وتغيراتها، بما يقدم فهمًا متكاملًا للعوامل الداخلية والخارجية المؤثرة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء نموذج لآلية دفع الممارسات البيئية المستدامة في المنشآت واختباره تجريبيًا، بحيث يوضح كيف يؤثر التوجه نحو الاستدامة الرقمية في هذه الممارسات تأثيرًا مباشرًا وغير مباشر، وما دور القدرة الخضراء الرقمية وسيطًا في هذه العلاقة، وما دور المسح البيئي معدِّلًا لها، واعتمدت الدراسة على مجموعتين من بيانات البحث جمعتا من أكثر من ثلاثمئة وخمسين منشأة تصنيع في الصين، واختبرت الفرضيات المتعلقة بالعلاقات المباشرة والوساطة والتعديل والوساطة المعدَّلة، بما يتيح التحقق من متانة النتائج عبر مجموعتي البيانات، ويمنح النموذج المقترح قاعدة تجريبية رصينة يمكن البناء عليها في دراسات لاحقة داخل قطاعات ودول أخرى ذات سياقات صناعية مختلفة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج الاختبار التجريبي أن التوجه نحو الاستدامة الرقمية يؤدي دورًا دالًا في تحسين الممارسات البيئية المستدامة لدى المنشآت، وأن القدرة الخضراء الرقمية تؤدي دورًا وسيطًا مهمًا بين هذا التوجه وتلك الممارسات، بما يعني أن التوجه الاستراتيجي لا يتحول إلى ممارسات فعلية إلا عندما تبني المنشأة قدرات رقمية خضراء قادرة على ترجمته إلى عمليات وقرارات يومية، كما بينت النتائج أن المسح البيئي يعمل متغيرًا معدِّلًا بين التوجه نحو الاستدامة الرقمية والقدرة الخضراء الرقمية، ويعدل كذلك الدور الوسيط لهذه القدرة بين التوجه والممارسات، بحيث كلما قوي المسح البيئي لدى المنشأة ازدادت دلالة الأثر الوسيط للقدرة الخضراء الرقمية وازدادت فعالية تحول التوجه إلى ممارسات مستدامة ملموسة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توسع نتائج هذه الدراسة نطاق تطبيق نظرية التوجه الاستراتيجي في بحوث الاستدامة الرقمية، إذ تبين أن التوجهات الاستراتيجية المركبة التي تجمع بين الرقمي والبيئي تصلح إطارًا تفسيريًا لفهم سلوك المنشآت في العصر الرقمي، كما تحمل النتائج دلالات نظرية وعملية لاستكشاف تطوير القدرة الخضراء الرقمية والآلية الديناميكية للممارسات البيئية المستدامة، فعلى المديرين أن يستثمروا في بناء القدرات الرقمية الخضراء داخل منشآتهم وأن يعززوا أنشطة المسح البيئي التي ترصد تغيرات اللوائح والتقنيات وتوقعات أصحاب المصلحة، وتفيد هذه الخلاصات المنشآت الصناعية في المنطقة العربية التي تمضي في مسارات تحول رقمي وتحول أخضر متوازية، إذ توضح أن نجاح الجمع بين المسارين يتوقف على القدرات والرصد البيئي لا على إعلان التوجه وحده
وتفصل هذه النتائج العلاقة بين التوجه والقدرة والممارسة على نحو يساعد المديرين على ترتيب أولويات الاستثمار داخل منشآتهم، فإعلان التوجه نحو الاستدامة الرقمية في الوثائق الاستراتيجية والخطط لا يكفي وحده ما لم يقترن ببناء قدرات رقمية خضراء ملموسة، كأنظمة رصد استهلاك الطاقة والانبعاثات وتحليل بيانات العمليات من منظور بيئي وكفاءات بشرية قادرة على توظيف هذه الأنظمة وتطويرها، كما أن دور المسح البيئي يذكر المنشآت بأن البيئة الخارجية ليست خلفية صامتة لنشاطها بل عامل فاعل يضخم أثر التوجه والقدرة أو يضعفه، فالمنشأة التي ترصد بانتظام تغيرات الأنظمة البيئية وتوقعات العملاء وتطورات التقنيات الخضراء تستطيع توجيه قدراتها الرقمية نحو الفرص الأهم وتوقيت استثماراتها بصورة أفضل، بينما تخاطر المنشأة المنغلقة على ذاتها ببناء قدرات رقمية متقدمة لا تواكب متطلبات السوق والتنظيم المتغيرة باستمرار، وهو ما يجعل الاستثمار في هذه القدرات وأنظمة المسح المرافقة لها قرارًا استراتيجيًا طويل الأجل لا مشروعًا تقنيًا عابرًا
وخلاصة القول إن التوجه نحو الاستدامة الرقمية محرك فعال للممارسات البيئية المستدامة في منشآت التصنيع، غير أن أثره يمر عبر بناء القدرة الخضراء الرقمية ويتضاعف كلما قوي مسح المنشأة لبيئتها، وهي معادلة تقدم لصناع القرار الصناعي خريطة عملية لتحويل الطموحات الرقمية والبيئية إلى أداء مستدام فعلي








