تتناول هذه الدراسة المعتقدات الدافعية لدى الطلاب في الرياضيات والعلوم وكيفية تجمعها في أنماط متميزة، وما يرتبط بهذه الأنماط من فروق في التحصيل الدراسي، وتنبع أهمية الموضوع من أن المعتقدات الدافعية للطلاب في هاتين المادتين تعد من العوامل الحاسمة في تحصيلهم المدرسي فيهما، ومن أن فهم الصورة الكلية لهذه المعتقدات، بدل النظر إلى كل معتقد على حدة، يساعد المعلمين وصناع السياسات على تصميم تدخلات أدق وأكثر فاعلية، كما تكتسب الدراسة أهمية إضافية لاعتمادها على بيانات دولية واسعة تتيح فحص هذه الأنماط لدى عينة كبيرة من الطلاب في مرحلة عمرية مؤثرة في مسارهم التعليمي اللاحق، وهي المرحلة التي تتشكل فيها اتجاهاتهم نحو التخصصات العلمية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحديد عضويات المجموعات التي ينتمي إليها الطلاب بحسب معتقداتهم الدافعية في الرياضيات والعلوم بوصفهما مجالين مترابطين ارتباطًا وثيقًا، كما هدفت إلى استكشاف الآثار التنبؤية لتجارب الطلاب الفردية في المدرسة في تشكيل انتمائهم إلى هذه المجموعات، وإلى اختبار الفروق بين المجموعات المحددة في متوسطات تحصيلهم في الرياضيات والعلوم، واستخدمت الدراسة تحليل الأنماط الكامنة للنمذجة، وطبقت على بيانات أكثر من ثلاثة آلاف وثمانمئة طالب كوري في الصف الثامن شاركوا في دراسة الاتجاهات الدولية في الرياضيات والعلوم لعام ألفين وتسعة عشر، واستعانت الأسس النظرية والمؤشرات الإحصائية التكميلية في تحديد الحل الأمثل لعدد المجموعات ووصف خصائص كل منها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الحل المكون من خمس مجموعات هو الحل الأمثل لتمثيل أنماط المعتقدات الدافعية لدى الطلاب، وهي مجموعات الدافعية المرتفعة، والدافعية المتوسطة، وانخفاض الدافعية في الرياضيات مع ارتفاعها في العلوم، والدافعية المنخفضة، والدافعية المنخفضة جدًا، وبينت النتائج أن شعور الطلاب بالانتماء إلى المدرسة كان أقوى متنبئ بتشكيل عضوية المجموعات، في حين لم يتنبأ إدراك الطلاب لتعرضهم للتنمر بعضويتهم في أي مجموعة، كما أظهرت النتائج أن الطلاب المنتمين إلى مجموعات المعتقدات الدافعية المتميزة اختلفوا فيما بينهم في مستويات تحصيلهم في الرياضيات والعلوم، بما يؤكد أن نمط الدافعية الكلي للطالب يرتبط بأدائه الأكاديمي ارتباطًا ذا دلالة عملية وتطبيقية واضحة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه الدراسة دلالات مهمة لتطوير السياسات التعليمية والتدخلات المدرسية، إذ تشير إلى أهمية تعزيز شعور الطلاب بالانتماء إلى مدارسهم بوصفه مدخلًا مؤثرًا في تشكيل معتقداتهم الدافعية، كما تقدم إسهامًا في تطوير النظريات الدافعية في تعليم العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات من خلال إظهارها أن الدافعية لا تعمل بوصفها بعدًا واحدًا متجانسًا لدى جميع الطلاب، بل تتجمع في أنماط نوعية تختلف في قوتها وتوازنها بين المادتين، وتقدم في الوقت نفسه مقترحات عملية لتحسين الممارسات التعليمية بما يعزز المعتقدات الدافعية لدى الطلاب في الرياضيات والعلوم، ومن ذلك الاهتمام بالمناخ المدرسي الداعم وبناء علاقات إيجابية داخل المجتمع المدرسي تجعل الطالب يشعر بأنه جزء مقدر فيه
وتكتسب هذه النتائج أهمية إضافية لأنها تستند إلى بيانات دراسة دولية محكمة التصميم شملت آلاف الطلاب، مما يمنح الأنماط المكتشفة قوة وصفية تتجاوز حدود مدرسة واحدة أو منطقة واحدة، كما أن ظهور مجموعة متميزة تنخفض دافعيتها في الرياضيات وترتفع في العلوم يلفت الانتباه إلى أن الدافعية ليست سمة عامة واحدة تنسحب على المواد كلها بالقدر ذاته، بل قد تتشكل بصورة انتقائية ترتبط بخصوصية كل مادة وتجربة الطالب معها ومع معلميها، وهو ما يستدعي تدخلات مخصصة لكل مادة بدل برامج دافعية عامة موحدة، فقد يحتاج الطالب المتعثر دافعيًا في الرياضيات وحدها إلى دعم يعالج خبراته السابقة مع هذه المادة وتصوراته عن قدرته فيها، بينما يحتاج الطالب منخفض الدافعية في المادتين معًا إلى تدخل أشمل يتصل بانتمائه المدرسي وعلاقاته داخل مجتمع مدرسته
وينبغي قراءة غياب أثر إدراك التنمر في عضوية المجموعات بحذر منهجي، فهو لا يعني أن التنمر ظاهرة غير مهمة في الحياة المدرسية، بل يعني أن أثره في هذا النموذج لم يظهر متنبئًا بالأنماط الدافعية مقارنة بقوة أثر الانتماء المدرسي، وهو ما يوجه الباحثين إلى فحص علاقات أدق بين أبعاد المناخ المدرسي المختلفة ودافعية الطلاب في دراسات لاحقة تستخدم أدوات قياس أعمق وتصميمات طولية تتبع الطلاب عبر الزمن
وخلاصة القول إن دافعية الطلاب نحو الرياضيات والعلوم تتشكل في أنماط متباينة يمكن التعرف عليها وقياسها، وإن شعور الطالب بالانتماء إلى مدرسته يقف في مقدمة العوامل التي تفسر هذه الأنماط، مما يجعل الاستثمار في البيئة المدرسية الجاذبة استثمارًا مباشرًا في تحسين التحصيل العلمي








