تتناول هذه الدراسة تجربة إرشاد باحثين مبتدئين في مجال بحوث تعليم الهندسة، وهما باحثان قادمان من خلفية تقنية في الهندسة الطبية الحيوية، وذلك في سياق برنامج يهدف إلى بناء القدرات البحثية في هذا المجال، إذ يوفر برنامج الشروع البحثي في تكوين الهندسة التابع لمؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية تمويلًا لأعضاء هيئة التدريس في التخصصات الهندسية التقنية ليتعلموا كيفية إجراء بحوث تعليم الهندسة من خلال إرشاد باحث متمرس في العلوم الاجتماعية، وتنبع أهمية هذه الدراسة من أن الانتقال من البحث الهندسي التقني إلى البحث التربوي الاجتماعي يمثل تحولًا عميقًا في المنظور المعرفي والمنهجي، مما يجعل الإرشاد آلية محورية لدعم هذا الانتقال وتيسيره وضمان نجاحه
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فهم طبيعة العلاقة الإرشادية ثلاثية الأطراف التي جمعت بين باحثة متمرسة في بحوث تعليم الهندسة وباحثين مبتدئين اثنين، أحدهما عضو هيئة تدريس في الهندسة الطبية الحيوية، والثانية طالبة دراسات عليا يشرف عليها هذا العضو، كما هدفت إلى استكشاف دور الدعم الأداتي والدعم النفسي الاجتماعي في هذه العلاقة، والكيفية التي تساعد بها عناصر التلمذة المعرفية المتدربين على اكتساب مهارات بحثية جديدة، واعتمدت الدراسة منهج الإثنوغرافيا الذاتية التعاونية، مستندة في تأطيرها النظري إلى نموذج التلمذة المعرفية وإلى نموذج معروف في أدبيات الإرشاد الأكاديمي، وجمعت البيانات من التأملات المكتوبة والمقابلات التي أجريت مع أطراف العلاقة، ثم حللتها للكشف عن كيفية تطور العلاقة الإرشادية وعن مواطن التواصل وسوء الفهم فيها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن علاقة الإرشاد كانت إيجابية جدًا في مجملها، وأن عناصر التلمذة المعرفية، ولا سيما بناء الدعامات المؤقتة للتعلم والتلاشي التدريجي للدعم الأداتي، قد ساعدت الباحثين المبتدئين على تعلم مهارات البحث النوعي التي تختلف اختلافًا جذريًا عن خبرتهما السابقة في بحوث الهندسة الطبية الحيوية، غير أن الدراسة كشفت أن النموذج الأولي الذي تصوره الفريق للعلاقة الإرشادية لم يكن واقعيًا، إذ افترض ذلك النموذج أن ترشد الباحثة المتمرسة العضو الأكاديمي المبتدئ، وأن يقوم هو بدوره بإرشاد طالبة الدراسات العليا التي يشرف عليها، دون أن يأخذ في الحسبان مدى صعوبة التحول النموذجي المطلوب من الباحث التقني، ولا أثر هذه الصعوبة في قدرته على إرشاد مبتدئ آخر قبل أن يمتلك هو نفسه الخبرة اللازمة في بحث العلوم الاجتماعية
وبناء على هذه النتيجة غيّر الفريق نموذجه بحيث أصبحت الباحثة المتمرسة ترشد الباحثين المبتدئين كليهما بصورة مباشرة، كما بينت النتائج أن العلاقة، رغم إيجابيتها العامة، تضمنت لحظات كثيرة من سوء التواصل وسوء الفهم بين أطرافها، وقد فسرت الدراسة بعض هذه الفرص الضائعة في التواصل والفهم بالاستناد إلى فكرة الكفاءة الذاتية المستنبطة من العلاقة، التي توضح كيف يستنتج الأفراد تصوراتهم عن قدراتهم من طبيعة تفاعلاتهم وعلاقاتهم بالآخرين، وهو ما يبرز أن للإرشاد بعدًا نفسيًا اجتماعيًا لا يقل أهمية عن بعده الأداتي المرتبط بنقل المهارات والمعارف البحثية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل هذه الدراسة دلالات مهمة للأدبيات المعنية ببناء القدرات البحثية في تعليم الهندسة، إذ تؤكد أن الإرشاد آلية فعالة لدعم الباحثين المدربين تقنيًا في تعلم إجراء البحوث التربوية، شريطة أن يصمم بعناية تراعي حدة التحول المعرفي والمنهجي الذي يواجهونه، كما تثير الدراسة قضايا عملية ومفهومية ينبغي أن ينتبه إليها الباحثون المتمرسون والمبتدئون على حد سواء عند تكوين علاقات إرشادية جديدة، من أبرزها ضرورة توزيع أدوار الإرشاد توزيعًا واقعيًا لا يفترض قدرة المبتدئ على إرشاد غيره قبل اكتمال تعلمه، وأهمية بناء قنوات تواصل واضحة تقلل من فرص سوء الفهم، ومراعاة الجانب النفسي الاجتماعي في دعم المتعلمين أثناء انتقالهم بين تقاليد بحثية مختلفة
وتزداد قيمة هذه النتائج بالنظر إلى طبيعة البرنامج الذي جرت الدراسة في سياقه، فالبرامج التي تمول أعضاء هيئة التدريس التقنيين لتعلم بحوث تعليم الهندسة عبر إرشاد متمرس في العلوم الاجتماعية تفترض ضمنيًا أن الإرشاد عملية سلسة ومتوقعة، بينما تبين هذه التجربة أنها عملية تعلم معقدة للمرشد والمتدربين معًا، تتطلب مراجعة مستمرة للأدوار والتوقعات، وانتباهًا مبكرًا لعلامات سوء الفهم قبل تراكمها وتحولها إلى عوائق، وتصميمًا مرنًا يسمح بتعديل نموذج الإرشاد ذاته عندما تثبت الممارسة عدم واقعيته
وخلاصة القول إن نجاح برامج بناء القدرات البحثية لا يتوقف على توفير التمويل وحده، بل يتوقف بدرجة كبيرة على جودة علاقات الإرشاد التي ترافق الباحثين المبتدئين أثناء عبورهم من تقاليدهم التقنية إلى ممارسات بحثية جديدة، وهو ما توثقه هذه التجربة وتقدمه درسًا عمليًا لمنظمي مثل هذه البرامج ومصمميها








