تتغير أدوار الآباء في تربية الأبناء تغيرًا تدريجيًا عبر العقود، إذ يتراجع النموذج التقليدي للأب غير المنخرط في الرعاية اليومية ليحل محله حضور أبوي أكثر فاعلية داخل الأسرة، غير أن هذا التحول لا يجري بمعزل عن التحولات الاجتماعية والاقتصادية وسياسات الأسرة التي قد تدعمه أو تعوقه، وتبرز الحاجة إلى منظور زمني طويل يرصد هذا التغير عبر مراحل متتابعة ويربطه بالسياقات المحيطة به، ليتضح ما إذا كانت الممارسات الأبوية تتجه فعلًا نحو مشاركة أكثر مساواة في رعاية الأبناء أم أنها ما تزال أسيرة الفجوة بين التطلعات والواقع
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل العوامل المشكلة لانخراط الآباء في تربية الأبناء في سلوفينيا من منظور زمني تطوري، مستندة إلى أربع دراسات نوعية أجريت حول الأبوة على مدى خمسة عشر عامًا في الأعوام 2005 و2008 و2015 و2020، وموقعة النتائج التجريبية داخل التحولات الاجتماعية والاقتصادية وتحولات السياسات الأوسع التي شهدتها تلك الفترة، بما يتيح تتبع مسار الممارسات الأبوية وتبدل أشكالها عبر الزمن
وأبرزت الدراسة أن الفترة المدروسة شهدت تطورات متناقضة الأثر، فمن جهة كثافة العمل والمرونة المتزايدة والتوظيف الهش عززت أولوية العمل مدفوع الأجر وحدت من الاعتراف بأدوار الرعاية لدى الرجال في ثقافات المنظمات، ومن جهة أخرى دعمت تدابير سياسات الأسرة تدريجيًا قيام الآباء بأدوار أبوية أكبر، وفي مقدمتها استحداث إجازة الأبوة وإصلاحات إجازة الوالدين وإصلاحات التوازن بين العمل والحياة
وأفادت المقارنة الزمنية بين الدراسات الأربع في رصد التغير لا في نقطة زمنية واحدة بل عبر نقاط متتابعة، فظهر كيف تراكمت آثار استحداث إجازة الأبوة وإصلاحات إجازة الوالدين تدريجيًا في ممارسات الآباء، وكيف ظلت مكابح العمل المكثف والتوظيف الهش تعمل في الاتجاه المعاكس، فتقدمت الممارسات الأبوية بخطى متفاوتة بين المجالات والأسر
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج أن النموذج التقليدي للأبوة غير المنخرطة كان آخذًا في التراجع بحلول عام 2005، لتبرز مكانه ممارسات الأبوة الداعمة التي يشارك فيها الرجال في رعاية الأبناء والأعمال المنزلية لكن بصفة مساعدين لشريكاتهم أساسًا، ثم ظهرت مع مرور الوقت ممارسات الأبوة المنخرطة المتميزة برعاية أكثر فاعلية ومساواة، ليتدرج الحضور الأبوي من المساندة إلى الشراكة شبه المتكافئة في المسؤوليات اليومية
وعلى الرغم من التطلعات القوية لدى الآباء إلى المشاركة الفاعلة، تظهر الأدلة التجريبية فجوة مستمرة بين المثاليات والممارسات الفعلية، إذ لا يزال الانخراط الكامل مقيدًا بضغوط العمل وثقافات المنظمات، ومع ذلك فقد أصبح الآباء في سلوفينيا حاضرين عادة أثناء الحمل والولادة، ويستفيدون من إجازة الأبوة، وينخرطون باطراد في رعاية الأبناء اليومية، بما يشير إلى تحول تدريجي نحو نموذج الأبوة المنخرطة
ويعكس هذا التدرج أن مشاركة الآباء في الرعاية بدأت من موقع المساعد الذي يدعم الأم في مهام محددة، ثم تطورت لدى فئات متسعة منهم إلى موقع الشريك الذي يبادر إلى تحمل مسؤوليات الرعاية اليومية ومشاركتها، غير أن سرعة هذا التطور تباينت بحسب ما أتاحته السياسات من إجازات وما فرضه سوق العمل من أعباء، فظل التقدم متفاوتًا بين الطموح والممارسة عبر السنوات المدروسة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتدلل الدراسة على أن تحولات الأبوة نتاج تفاعل بطيء بين تغير القيم والتطلعات الأسرية وبين السياسات العامة الداعمة وضغوط سوق العمل المقيدة في الوقت ذاته، فحين تتوفر إجازات الأبوة والوالدين وترتيبات التوازن بين العمل والحياة تتسع مساحة الممارسات المنخرطة، بينما تبطئ ثقافات العمل المكثف والتوظيف الهش هذا التحول وتُبقي جزءًا منه عند مستوى الطموح
وتفيد هذه التجربة سياسات الأسرة بأن التغيير في أدوار الأبوة لا يتحقق بالخطاب الثقافي وحده، بل يحتاج إلى رافعة سياساتية تتمثل في إجازات أبوة ووالدين قابلة للاستخدام فعليًا، وإلى ترتيبات عمل مرنة تخفف تعارض الرعاية مع متطلبات الوظيفة، فمثل هذه الأدوات هي التي حولت التطلعات الفردية لدى آباء سلوفينيا إلى ممارسات يومية متنامية رغم بقاء الفجوة بينهما
وخلاصة القول إن تجربة سلوفينيا عبر خمسة عشر عامًا ترسم مسارًا تدريجيًا من الأبوة غير المنخرطة إلى الأبوة الداعمة ثم المنخرطة، مع بقاء فجوة بين ما يطمح إليه الآباء وما يمارسونه فعليًا، ومن ثم فإن تعميق هذا التحول يستدعي مواصلة سياسات الأسرة الداعمة وتغيير ثقافات المنظمات بما يعترف بأدوار الرعاية لدى الرجال ويشجعها عمليًا لا خطابيًا فقط








