قد تسهم عادات المراهقين في استخدام الإنترنت في انتشار المعلومات المضللة، إذ يفضل كثير منهم أقرانهم الذين يثقون بهم مصادر للمعلومات على المصادر الجديرة بالثقة علميًا، ويجعلهم هذا الميل فئة أكثر عرضة للتضليل ولا سيما في أوقات الأزمات حين ترتفع مستويات المعلومات المضللة ارتفاعًا حادًا، وفي مواقف عدم اليقين والمخاطرة كالأزمات الصحية العامة تؤدي الثقة دورًا مهمًا ومؤثرًا في قبول المعلومات أو رفضها، وهو ما يجعل فهم محددات ثقة المراهقين بالمعلومات المضللة وبناقليها مدخلًا ضروريًا لحمايتهم من آثارها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف ما إذا كانت ثقة المراهقين بفرد يشارك معلومات مضللة وثقتهم بتلك المعلومات المتعلقة بجائحة كورونا تختلفان تبعًا لإدراكهم مخاطر الضرر من الجائحة، بين حالة إدراك وجود مخاطرة وحالة انخفاضها، وتبعًا لعمر ناشر التضليل بين كونه قرينًا أو بالغًا، وعرضت الدراسة على المراهقين معلومات مضللة حول متحور افتراضي لفيروس كورونا، وشارك فيها 131 مراهقًا تراوحت أعمارهم بين 14 و17 عامًا
وطلبت الدراسة من المراهقين تقديم تبريرات مفتوحة لأحكامهم المتعلقة بالثقة، وحُللت هذه التبريرات وفق نموذج احتمالية الاستغراق الذي يميز بين الانتباه إلى محتوى الرسالة وجدارة مصدرها وبين الاعتماد على العلاقات والمشاعر المحيطة بها، كما قاست الدراسة مدى اعتياد المراهقين على فحص المعلومات وتدقيقها بوصفه متغيرًا مفسرًا لاختلاف أحكامهم
ويمنح هذا التصميم الدراسة قدرة على الفصل بين أثرين كثيرًا ما يختلطان في الحياة الواقعية، فمن جهة يتغير حكم الثقة بتغير ما يدركه المراهق من مخاطرة على نفسه وأقرانه، ومن جهة أخرى يتغير بتغير مكانة الناشر في عالمه الاجتماعي بين قرين مقرب وبالغ أبعد، وقد ساعد قياس عادات فحص المعلومات على تفسير لماذا يستجيب المراهقون للعاملين ذاتهما استجابات متباينة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن المراهقين وثقوا بناشر التضليل بدرجة أكبر حين أدركوا وجود مخاطرة ضرر تهدد فئتهم العمرية، أي إن شعورهم بأن الخطر يمسهم شخصيًا رفع استعدادهم لتصديق من ينقل إليهم المعلومات المضللة، وهو ما يكشف مفارقة مهمة تتمثل في أن إدراك الخطر الذي يفترض أن يدفع إلى الحذر قد يدفع بعض المراهقين إلى مزيد من الثقة بمصادر غير جديرة بها
وبينت النتائج أيضًا أن المراهقين الذين أفادوا بأنهم يفحصون المعلومات بانتظام أكبر كانوا أكثر ميلًا إلى مراعاة جدارة المعلومات ومصدرها حين أدركوا مخاطرة الضرر على فئتهم العمرية، في حين كان المراهقون الأقل اعتيادًا على فحص المعلومات أكثر ميلًا إلى مراعاة علاقتهم بناشر التضليل حين كان الناشر قرينًا لهم، أي إن الروابط الاجتماعية مع الأقران حلت لدى هذه الفئة محل التدقيق في المحتوى والمصدر
وتزداد خطورة هذا الميل في أوقات الأزمات حين ترتفع مستويات المعلومات المضللة وتشتد حاجة المراهقين إلى الطمأنينة، إذ قد يعيد المراهق مشاركة ما وصله من قرين يثق به دون تحقق كاف، فتتحول الثقة الاجتماعية ذاتها إلى قناة لانتشار التضليل، وقد جاءت الدراسة لعزل أثر عاملي إدراك المخاطرة وعمر ناشر التضليل في أحكام الثقة هذه عزلًا تجريبيًا منظمًا
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتشير هذه النتائج إلى الدور المهم الذي يمكن أن يؤديه نموذج احتمالية الاستغراق في الاتصال بالمخاطر الموجه إلى المراهقين، إذ يساعد على فهم متى يعالج المراهقون المعلومات معالجة متأنية تنظر في المحتوى والمصدر، ومتى ينزلقون إلى الاعتماد على العلاقات والألفة، وهو فهم لازم لتصميم رسائل توعية فعالة في أوقات الأزمات الصحية وغيرها من مواقف عدم اليقين
وتؤكد هذه الصورة أن تعليم المراهقين تدقيق المعلومات لا يعني تعليمهم التشكيك في كل شيء، بل تدريبهم على التمييز بين الثقة المبنية على جدارة المحتوى والمصدر والثقة المبنية على الألفة والعلاقة، فإذا نما هذا التمييز لدى المراهق أصبحت ثقته بأقرانه مصدر دعم اجتماعي لا ثغرة يتسلل منها التضليل، وبخاصة في مواقف الأزمات وعدم اليقين
وخلاصة القول إن ثقة المراهقين بالمعلومات المضللة ليست ثابتة، بل تتأثر بإدراكهم للمخاطر وبعمر ناشر التضليل وبعاداتهم في فحص المعلومات، ومن ثم تؤكد الدراسة ضرورة تعليم المراهقين أهمية تدقيق المعلومات والتحقق من مصادرها، وبخاصة في أثناء الأزمات حين تتكاثر المعلومات المضللة وتشتد الحاجة النفسية إلى من يثقون بهم من الأقران








