تتباين السياسات الصناعية الخضراء الموجهة إلى المركبات الكهربائية بين الدول تباينًا ملحوظًا رغم اشتراكها في مواجهة ضغوط عالمية متشابهة لخفض انبعاثات الكربون والتحول نحو النقل النظيف، ويتجلى هذا التباين بوضوح عند مقارنة دول نامية متوسطة الدخل تمتلك قطاعات سيارات راسخة وتنتهج أنظمة ديمقراطية، إذ تختلف المسارات التقنية التي تختارها هذه الدول في الانتقال إلى المركبات المكهربة اختلافًا بينًا، ولا يكفي لتفسير هذا الاختلاف عامل الكفاءة الاقتصادية أو مستوى الجاهزية التقنية وحدهما، وهو ما يستدعي البحث في العوامل السياسية والتنموية العميقة التي توجه الخيارات التقنية في هذا القطاع الاستراتيجي سريع التحول
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص التباين في السياسات الصناعية الخضراء الخاصة بالمركبات الكهربائية في البرازيل والمكسيك، والتعرّف إلى أسباب اختيار كل دولة مسارًا تقنيًا متميزًا عن الأخرى رغم تشابه الضغوط العالمية لإزالة الكربون الواقعة عليهما، وانطلقت الدراسة من حجة مركزية مؤداها أن الخيارات التقنية في هذا المجال لا تُصنع بمعزل عن السياقات السياسية والاقتصادية، بل تتوسطها تحالفات تنموية قطاعية تجمع الفاعلين الرئيسين في القطاع، وتتشكل تفضيلات هذه التحالفات واتجاهاتها بفعل سياسات نماذج النمو الوطنية السائدة في كل بلد
واعتمدت الدراسة على المنهج المقارن الوصفي، إذ وازنت بين الحالتين عبر وصف بنية نموذج النمو في كل دولة وتحليل التحالفات القطاعية المؤثرة في قطاع السيارات ومواقفها من البدائل التقنية المتاحة، وربطت بين هذه العناصر والسياسات الصناعية الخضراء المعتمدة فعليًا، بما يتيح تفسير التباين في المخرجات التقنية من خلال اختلاف التحالفات والنماذج التنموية لا من خلال اعتبارات الكفاءة وحدها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت المقارنة أن نموذج النمو في البرازيل القائم على السلع وسوقها المحلية الكبيرة قد أسسا تحالفًا بين شركات صناعة السيارات ومنتجي الوقود الحيوي، وقاد هذا التحالف إلى إعطاء الأولوية للمركبات الهجينة المتوافقة مع الإيثانول بوصفها المسار التقني المفضل في السياسات الصناعية الخضراء البرازيلية، مستفيدًا من المزايا القائمة في إنتاج الوقود الحيوي ومن حجم الطلب الداخلي
وفي المقابل أدت حالة المكسيك القائمة على الاندماج الموجه نحو التصدير في سلاسل القيمة بأمريكا الشمالية إلى تعزيز تحالفات متوافقة مع المركبات الكهربائية العاملة بالبطاريات، وجاء هذا التوجه متسقًا مع الضغوط الكامنة في نموذج النمو القائم على التصدير ومع الديناميات التنظيمية المرتبطة به، فانعكس ذلك في سياسات وتموضعات قطاعية تدعم مسار البطاريات الكهربائية بوصفه الخيار الأنسب لطبيعة الاقتصاد المكسيكي وروابطه الخارجية
ويبرز من المقارنة أن التفاوت بين الحالتين لا يرجع إلى اختلاف درجة الالتزام بالأهداف المناخية العالمية، بل إلى طبيعة البنية الإنتاجية والتحالفات القطاعية المحيطة بها في كل بلد، ففي البرازيل وجد التحالف الصناعي في إنتاج الوقود الحيوي القائم رصيدًا جاهزًا يمكن البناء عليه بتكلفة سياسية واقتصادية أقل، بينما وجدت المكسيك في اندماجها التصديري بسوق أمريكا الشمالية حوافز قوية لمواكبة المتطلبات التنظيمية والصناعية السائدة في ذلك السوق والمتجهة نحو المركبات العاملة بالبطاريات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
وتخلص الدراسة من هذه المقارنة إلى فرضية قابلة للاعتماد مؤداها أن مسارات التقنية الخضراء في الاقتصادات الطرفية هي مخرجات متفاوض عليها سياسيًا تتشكل بفعل سياسات التحالفات التنموية، وليست استجابات مدفوعة بالكفاءة الخالصة للضرورات المناخية العالمية، وهو ما يعني أن فهم سياسات التحول الأخضر في الدول النامية يستلزم تحليل موازين القوى القطاعية ونماذج النمو بقدر ما يستلزم تحليل البدائل التقنية ذاتها
وتفتح هذه القراءة الباب أمام إعادة النظر في سياسات الاستدامة المنقولة إلى الدول النامية بوصفها قوالب موحدة، إذ يتعين على صانعي السياسات في هذه الدول تشخيص تحالفاتهم القطاعية ونماذج نموهم قبل استيراد مسارات تقنية جاهزة، كما تفيد الجهات المعنية بالمناخ في تصميم دعم يراعي خصوصية كل سياق وطني بدل فرض مسار واحد على سياقات متباينة البنى والتحالفات
وخلاصة القول إن تجربة البرازيل والمكسيك تؤكد أن التحول إلى المركبات الكهربائية ليس قرارًا تقنيًا محايدًا، بل هو نتاج تفاعل بين نماذج النمو الوطنية والتحالفات القطاعية المؤثرة في كل سياق، ومن ثم فإن رسم سياسات صناعية خضراء ناجحة في الاقتصادات النامية يتطلب قراءة دقيقة لهذه التحالفات وبناء توافق قطاعي واسع حول المسار التقني المختار بما يضمن استدامته وقبوله








