تعد التنمية المنسقة بين التمويل الرقمي وقطاع التصنيع المتقدم عاملًا حيويًا لتحقيق تنمية اقتصادية عالية الجودة، غير أن مستويات هذا التنسيق واتجاهاته تتفاوت بين المناطق تفاوتًا يحتاج إلى قياس وتحليل، وتتناول هذه الدراسة مستوى التنسيق الاقتراني بين التمويل الرقمي وتطوير الصناعة التحويلية المتقدمة في الصين وخصائص تقاربه وفروقه المكانية ومصادر هذه الفروق، استنادًا إلى بيانات المقاطعات الصينية خلال المدة من عام ألفين واثني عشر إلى عام ألفين وعشرين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
طبقت الدراسة نموذج درجة التنسيق الاقتراني لقياس مستوى الارتباط المنسق بين منظومتي التمويل الرقمي والتصنيع المتقدم، ونموذج تقارب سيغما لفحص خصائص التقارب عبر الزمن، وأسلوب تفكيك داغوم وجيني لتحليل الفروق المكانية ومصادرها داخل المناطق وبينها، وغطت التحليلات المناطق الشرقية والوسطى والغربية من الصين بمقاطعاتها، بما يتيح رسم صورة متكاملة لمسار التنسيق الاقتراني ومستواه ومدى تقلص الفجوات أو اتساعها بين المقاطعات والمناطق عبر سنوات الدراسة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن مستوى التنسيق الاقتراني بين التمويل الرقمي والتصنيع المتقدم تجاوز مرحلة الانتقال التوفيقي إلى مرحلة التنمية المنسقة ويظهر اتجاه نمو سريعًا، وأن درجة التنسيق في المنطقة الشرقية هي الأعلى تليها المنطقتان الوسطى والغربية، ولوحظ اتجاه تقارب واضح مع انخفاض دال في الفرق الكلي، غير أن الفرق داخل المنطقة الواحدة كان الأكبر في المنطقة الغربية بما يدل على فجوة أكبر نسبيًا في تنمية التمويل الرقمي والتصنيع المتقدم بين مقاطعاتها، وأن الفرق بين المناطق، وبخاصة بين الشرق والغرب، هو الأكبر وهو المصدر الرئيس للفروق الكلية، بما يثبت واقع التنمية غير المتوازنة بين المناطق
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
توصي الدراسة باعتماد سياسات إقليمية متمايزة تعزز التنمية المنسقة بين التمويل الرقمي والصناعة التحويلية المتقدمة، تراعي موقع كل منطقة على سلم التنسيق ومصادر الفروق المؤثرة فيها، وتفيد هذه النتائج صانعي السياسات في توجيه الاستثمارات المالية والصناعية نحو المقاطعات الغربية المتفاوتة داخليًا، إذ إن معالجة الفجوة بين الشرق والغرب وحدها لا تكفي ما دام التفاوت داخل المنطقة الغربية نفسها هو الأوسع، كما تقدم أساليب القياس المستخدمة نموذجًا قابلًا للتطبيق في تتبع التنسيق بين قطاعات أخرى
وينطلق مفهوم التنسيق الاقتراني من أن التمويل الرقمي والتصنيع المتقدم منظومتان متفاعلتان، فالتمويل الرقمي يوفر قنوات الدفع والإقراض والبيانات التي تحتاج إليها المنشآت الصناعية للتحول الذكي، والتصنيع المتقدم بدوره يولّد طلبًا وخدمات تدفع التمويل الرقمي إلى التطور، وكلما اقترن نمو الاثنين وتزامن ارتفع مستوى التنسيق وحسُن أثره في جودة التنمية الاقتصادية، ولهذا كان قياس درجة الاقتران بينهما عبر مقاطعات الصين وسنواتها مؤشرًا على نضج التحول المزدوج الذي تستهدفه السياسات الاقتصادية الصينية في جانبيه المالي والصناعي معًا
وعند تتبع خريطة الفروق بدقة أكبر يظهر مستويان من التفاوت يعملان في اتجاهين مختلفين، فبينما يتقلص الفرق الكلي مع الزمن دلالة على التقارب العام، يبقى الفرق داخل المنطقة الغربية هو الأوسع بين المناطق، إذ تتفاوت مقاطعاتها فيما بينها تفاوتًا كبيرًا في تنمية التمويل الرقمي والتصنيع المتقدم، ويبقى الفرق بين الشرق المتقدم والغرب الأقل تقدمًا هو المصدر الرئيس للفروق الكلية مجتمعة، وتوجه هذه الخريطة المزدوجة صانع السياسة إلى مسارين متوازيين، تضييق الفجوة بين الشرق والغرب من جهة، ومعالجة التفاوت الداخلي بين مقاطعات الغرب ذاته من جهة أخرى، بسياسات متمايزة لا بخطط موحدة
ويلاحظ في هذه الصورة أن التقدم العام لا يلغي الفروق بل يعيد تشكيلها، فمستوى التنسيق الاقتراني في الشرق يتصدر المشهد بفضل تقدم تمويله الرقمي وتصنيعه المتقدم معًا، ويليه الوسط ثم الغرب، ومع اتجاه التقارب الواضح وانخفاض الفرق الكلي انخفاضًا دالًا عبر سنوات الدراسة يتوقع استمرار تقلص الفجوات إن استمرت السياسات الداعمة، غير أن بقاء الفرق داخل الغرب الأكبر بين المناطق ينذر بأن مقاطعات غربية قد تتخلف عن ركب منطقتها ذاته إن عولجت المنطقة كتلة واحدة، ومن هنا تأتي التوصية بسياسات متمايزة تفصّل على مستوى المقاطعة والمنطقة معًا، مسترشدة بتحليل مصادر الفروق الذي وفرته أساليب الدراسة الكمية
وخلاصة القول إن التنسيق بين التمويل الرقمي والتصنيع المتقدم في الصين دخل مرحلة التنمية المنسقة بنمو سريع واتجاه تقارب واضح، غير أن التفاوت داخل المنطقة الغربية وبين الشرق والغرب يظل التحدي الأكبر الذي يستدعي سياسات إقليمية متمايزة








