لم تعد إدارة المشاريع في الوقت الراهن نشاطًا تقنيًا ضيقًا، بل أصبحت مقاربة شاملة تتكون من ثلاث منظورات متكاملة هي المنظور التنظيمي والمنظور الإنساني والمنظور الهندسي، ويقتضي ذلك من مدير المشروع أن يتفكر في قضايا متعددة كالأخلاق وفهم البيئة والقيادة والعمل الجماعي وتحقيق النتائج وإدارة التغيير وتبني التقنيات الجديدة وإدارة المعرفة، سعيًا إلى ضمان النجاح عبر خلق القيمة بما يتوافق مع توقعات مختلف أصحاب المصلحة، وفي هذا السياق أصبحت تخصصات كالفلسفة منطقية الحضور في منطق الإدارة التنظيمية، وغدت مبادئ المدرسة الرواقية الكلاسيكية مرجعًا للقادة المديرين المعاصرين لما تنطوي عليه من تنمية للذات وانضباط وضبط للنفس ومنطق وتوازن مع البيئة وخلق للقيمة الاجتماعية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل كيفية إسهام مبادئ الفلسفة الرواقية في تحديد الأداء العالي لفرق المشاريع، وبيان طبيعة العلاقة بين الأفكار الرواقية الرئيسة وأداء الفرق التي يقودها مديرو المشاريع، واعتمدت الدراسة على استبانة طبقت على سبعين مدير مشاريع يعملون في منشآت صغيرة ومتوسطة في مدينة بوغوتا الكولومبية، تناولت الأفكار السبعة الرئيسة للرواقية وعلاقتها المحتملة بأداء فرق مشاريعهم، ثم طبقت بناء على إجاباتهم نموذج معادلات بنائية ذا طبيعة ارتباطية لاستخلاص استنتاجات الدراسة واختبار العلاقات المفترضة بين المبادئ الرواقية ومؤشرات أداء الفرق
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت الدراسة عبر نموذج المعادلات البنائية الارتباطي إلى استنتاجات بشأن علاقة المبادئ الرواقية بأداء فرق المشاريع، مؤكدة أن القيم التي تحملها هذه الفلسفة، كالانضباط الذاتي وضبط النفس والتفكير المنطقي والتوازن مع البيئة المحيطة والسعي إلى خلق قيمة اجتماعية، ليست تأملات مجردة منقطعة عن الممارسة الإدارية، بل مرتكزات يمكن أن تفسر جانبًا من تباين أداء الفرق بين المشاريع، وأن حضورها في سلوك مدير المشروع ينعكس على تماسك فريقه وقدرته على تحقيق النتائج المتوقعة منه
كما بينت الدراسة أن النتائج المتحصلة يقصد بها أن تسهم إسهامًا ملموسًا في نضج تخصص إدارة المشاريع وتحديثه، إذ تفتح الباب أمام دمج البعد الفلسفي والقيمي في فهم القيادة الناجحة للمشاريع، بعد أن ظل هذا البعد هامشيًا أمام هيمنة الأدوات والتقنيات، فالقائد المدير الذي يستلهم مبادئ الرواقية في تعامله مع الضغوط والمتغيرات يقدم نموذجًا قياديًا يمتد أثره إلى أداء فريقه ككل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكتسب نتائج الدراسة أهميتها لدى مؤسسات التدريب والتطوير المهني المعنية بإعداد مديري المشاريع، إذ تقترح إدراج الأبعاد القيمية والفلسفية في برامج التأهيل القيادي إلى جانب المهارات الفنية، كما تفيد المنشآت الصغيرة والمتوسطة في اختيار قادة مشاريعها وتنميتهم بما يعزز أداء فرقها، وتفيد الباحثين في علم الإدارة والقيادة بتقديمها دليلًا تجريبيًا على جدوى استدعاء التراث الفلسفي الكلاسيكي في معالجة قضايا إدارية معاصرة، وتفتح الطريق أمام دراسات لاحقة تستكشف فلسفات أخرى وعلاقتها بالسلوك القيادي في سياقات ثقافية وتنظيمية مختلفة
وتقوم الأفكار الرواقية التي تناولتها الاستبانة على تراث فلسفي عريق يجعل من ضبط الانفعالات وتقبل ما لا يمكن تغييره والتركيز على ما هو في متناول الفعل والالتزام بالفضيلة والعدالة في التعامل مع الآخرين مرتكزات للسلوك اليومي، وهي مرتكزات تجد صداها المباشر في بيئة المشاريع المحفوفة بعدم اليقين وضغوط المواعيد وتعدد أصحاب المصلحة، إذ يحتاج مدير المشروع إلى ثبات انفعالي عند تعثر الخطط، وإلى حكم منطقي في توزيع الموارد، وإلى إحساس بالمسؤولية الاجتماعية تجاه فريقه ومجتمعه، وقد اختارت الدراسة المنشآت الصغيرة والمتوسطة ميدانًا لها لأن أثر القائد فيها أشد مباشرة ووضوحًا، فالفريق صغير الحجم والعلاقات قريبة وسلوك المدير ينعكس سريعًا على مناخ العمل كله، ومن هنا كان اختبار العلاقة بين القيم الرواقية وأداء الفرق في هذا السياق اختبارًا ذا دلالة عملية تتجاوز حدود التنظير الفلسفي المجرد
ويرتبط اختيار الأفكار الرواقية السبع موضوعًا للقياس برغبة الدراسة في اختبار منظومة قيمية متكاملة لا سمة منفردة معزولة، فالأداء العالي للفرق من هذا المنظور ليس ناتج مهارة تقنية واحدة، بل ثمرة مناخ قيادي تصنعه قيم متعاضدة من الانضباط والحكمة والعدالة والاعتدال، وهي قيم يمكن تتبع حضورها في ممارسات مدير المشروع اليومية وفي طريقة تعامله مع أعضاء فريقه وأصحاب المصلحة على حد سواء
وخلاصة القول إن الفلسفة الرواقية، بتركيزها على الانضباط والتوازن وخلق القيمة، تقدم إطارًا خصبًا لفهم الأداء العالي لفرق المشاريع وتطويره، وإن إعادة وصل الإدارة بجذورها القيمية قد تكون أحد مفاتيح نضج هذا التخصص وتجدد أدواته








