يقتضي مبدأ عدم ترك أحد خلف الركب، الذي تقوم عليه خطة التنمية المستدامة لعام ألفين وثلاثين في مجال مكافحة الفقر، أن تحظى الفئات الأكثر ضعفًا والأكثر تعرضًا للتمييز بحماية خاصة، ومن ثم يتعين على الحكومات التي تنتهج سياسات منصفة للفقراء أن تراعي احتياجات هذه الفئات وأن تطور برامج خاصة تكفل لها حماية كافية، وهو ما ينص عليه أيضًا القانون الدولي لحقوق الإنسان، إذ تتضمن المعاهدات العالمية ذات الصلة، كالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأحكام القانون الدولي غير الملزم، نصوصًا تقرر هذه الحماية وتوجبها على الدول
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه المذكرة الموجزة إلى تسليط الضوء على المتطلبات القانونية الدولية التي تخضع لها الدول حين يتعلق الأمر بحماية الشعوب الأصلية وأعضاء الأقليات الدينية والعرقية بصفة خاصة من خطر الفقر، مع التركيز بصورة أساسية على النهج القائم على الحقوق في الحماية الاجتماعية، واعتمدت الدراسة منهجية تحليلية قانونية تستعرض النصوص الدولية ذات الصلة في المعاهدات العالمية وفي القانون الدولي غير الملزم، وتستخلص منها الالتزامات الواقعة على الدول، وتبين مستويات التقعيد القانوني اللازمة لإعمال هذه الالتزامات، من المستوى الدستوري إلى القوانين النظامية إلى اللوائح التنفيذية الوزارية
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت الدراسة إلى أن حماية الفئات الأكثر ضعفًا من الفقر ليست خيارًا سياسيًا متروكًا لتقدير الحكومات، بل التزام قانوني دولي يستند إلى منظومة حقوق الإنسان، أن الدول لا يقتصر واجبها على اتخاذ القرارات السياسية والإدارية اللازمة لتنفيذ سياسات منصفة لهذه الفئات، بل يمتد إلى توفير إطار قانوني يضفي المشروعية على هذه القرارات وينظمها ويهيكلها، فمن دون هذا الإطار تظل البرامج والسياسات عرضة للتقلب والانقطاع، ولا تكتسب صفة الحقوق المستقرة التي يمكن للأفراد المطالبة بها والاحتجاج بها أمام الجهات المعنية
كما بينت الدراسة أن إعمال النهج القائم على الحقوق في الحماية الاجتماعية يتطلب أن تكرس الأحكام المنظمة له على مستويات قانونية متعددة متكاملة، فإلى جانب المستوى الدستوري، ينبغي أن تنص القوانين النظامية على القواعد التي تجسد هذا النهج، وأن تفصل اللوائح التنفيذية الوزارية إجراءات تطبيقه، وبذلك تتحول الحماية من وعود سياسية عامة إلى التزامات قانونية محددة قابلة للتنفيذ والمساءلة، تستفيد منها الشعوب الأصلية والأقليات وغيرها من الفئات المعرضة للتمييز والتهميش
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكتسب نتائج الدراسة أهميتها لدى المشرعين وواضعي سياسات الحماية الاجتماعية، إذ تقدم لهم خريطة واضحة بالمتطلبات القانونية الدولية الواجب مراعاتها عند تصميم تشريعات مكافحة الفقر الموجهة إلى الفئات الأكثر ضعفًا، كما تفيد المنظمات المعنية بحقوق الشعوب الأصلية والأقليات في تأسيس مطالبها على سند قانوني دولي راسخ، وتفيد الباحثين في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الاجتماعي بتوضيحها التفاعل بين الالتزامات الدولية والتشريعات الوطنية، وضرورة اكتمال السلسلة القانونية من الدستور إلى اللائحة حتى تؤتي الحماية ثمارها العملية
وتستند خصوصية حماية هذه الفئات إلى أن الفقر لا يوزع آثاره بالتساوي على أفراد المجتمع، بل تشتد وطأته على من يواجهون أصلًا حواجز بنيوية من التمييز والتهميش، كالشعوب الأصلية التي ترتبط سبل عيشها بأراضيها ومواردها التقليدية، والأقليات الدينية والعرقية التي قد تحرم من الفرص والخدمات بسبب هويتها، ولذلك جاءت النصوص الدولية مؤكدة أن المساواة الشكلية في برامج الحماية لا تكفي، بل يلزم اتخاذ تدابير خاصة تراعي أوضاع هذه الفئات وتضمن وصول الدعم إليها فعليًا، ويتصل بذلك التزام الدول بأن تكون سياساتها منصفة للفقراء بمعنى أن تعطي الأولوية في التخطيط والإنفاق لمن هم أشد حاجة، وأن تبني قراراتها على إدراك دقيق لاحتياجات الفئات الضعيفة، لا على متوسطات عامة تخفي التفاوتات الحادة القائمة داخل المجتمع الواحد
ويشمل الاهتمام الدولي بهذه الفئات جوانب تتجاوز الدخل المباشر، إذ يتصل الفقر لدى الشعوب الأصلية والأقليات بفرص التعليم والرعاية الصحية والسكن والمشاركة في الحياة العامة، ومن ثم فإن التشريعات المطلوبة لا تقتصر على برامج الدعم النقدي، بل تمتد إلى ضمان المساواة في الوصول إلى الخدمات العامة وحظر التمييز في توزيعها ومتابعة آثارها على هذه الفئات بصورة دورية ومنهجية
وخلاصة القول إن حماية الفئات الأكثر ضعفًا من الفقر التزام قانوني دولي لا يتحقق بالسياسات وحدها، بل بإطار قانوني متكامل المستويات يجسد النهج القائم على الحقوق، وهو ما يجعل هذه الدراسة مرجعًا موجزًا ومفيدًا لكل معني بتشريعات الحماية الاجتماعية المنصفة








