تحتل الكفاءة موقعًا محوريًا في تقييم الصحة المالية للمنشآت الاقتصادية، إذ تُعد من الركائز الأساسية التي يُستدل بها على متانة الأداء وقدرة المنشأة على الاستمرار والنمو في بيئة تنافسية متغيرة، فطريقة إدارة الأصول التي تنتهجها المنشأة تؤثر تأثيرًا كبيرًا في مسار نموها من جهة، وفي تراجع أرباحها من جهة أخرى، كما أنها تكشف عن موضع المنشأة داخل البيئة التنافسية للسوق وما إذا كانت تحتل موقعًا متقدمًا أو متأخرًا مقارنة بمنافسيها، ومن هذا المنطلق تتجه الأنظار إلى قياس كفاءة النشاط التجاري للمنشآت عبر مراحل زمنية مختلفة، ولا سيما في الفترات التي تشهد اضطرابات اقتصادية كبرى كتلك التي فرضتها جائحة كورونا، حيث تتغير ظروف العمل وتتبدل مستويات الأداء بصورة تستدعي الرصد والتحليل الدقيق
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت هذه الدراسة إلى تحديد مستوى كفاءة النشاط التجاري في دول فيشغراد الأربع، وهي سلوفاكيا وتشيكيا وبولندا وهنغاريا، وذلك عبر ثلاث مراحل زمنية، هي مرحلة ما قبل الأزمة، ومرحلة الأزمة ذاتها، ومرحلة ما بعد الأزمة التي ارتبطت بجائحة كورونا، واعتمدت الدراسة على بيانات واسعة النطاق شملت ثمانية وأربعين ألفًا وستمئة وخمسين منشأة موزعة على الدول الأربع، وغطت الفترة الممتدة من عام ألفين وسبعة عشر حتى عام ألفين وثلاثة وعشرين، وقام الباحثون بحساب القيم الوسيطة لأحد عشر مؤشرًا من مؤشرات كفاءة الأعمال، وذلك بصورة منفصلة لكل دولة ولكل قطاع من القطاعات الاقتصادية، حتى يتسنى رصد الفروق بين الدول والقطاعات رصدًا دقيقًا، واستعانت الدراسة باختبارات إحصائية ملائمة لطبيعة البيانات، هي اختبار فريدمان واختبار كروسكال واليس، للتحقق من وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين السنوات والدول، كما أجرت مقارنات زوجية متعددة بين الفترات الزمنية المختلفة لكشف أوجه التشابه والاختلاف بين المراحل الثلاث
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن اختباري فريدمان وكروسكال واليس أكدا وجود فروق ذات دلالة إحصائية بين السنوات المدروسة من جهة، وبين دول فيشغراد الأربع من جهة أخرى، بما يعني أن كفاءة النشاط التجاري لم تكن ثابتة عبر الزمن ولا موحدة بين الدول، وكشفت المقارنات الزوجية المتعددة عن وجود تماثل لافت بين مرحلة ما قبل الأزمة ومرحلة ما بعد الأزمة في النسب والمؤشرات المختبرة، بما يشير إلى أن المنشآت استعادت بعد تجاوز الجائحة أنماط أداء قريبة مما كانت عليه قبلها، وفي المقابل ظهر تشابه واضح بين عامي الجائحة اللذين اتسما بظروف استثنائية مشتركة انعكست على مؤشرات الكفاءة بصورة متقاربة، وتعكس هذه النتائج قدرة قطاعات الأعمال في دول المجموعة على التكيف مع الصدمات الكبرى واستعادة توازنها بعد زوال الظرف الطارئ، كما تبرز في الوقت ذاته حساسية مؤشرات الكفاءة للتحولات الاقتصادية والزمنية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي نتائج هذه الدراسة على دلالات عملية مهمة، إذ يمكن أن تشكل أساسًا لبناء مرجعيات قياسية إقليمية ودولية يُقاس عليها أداء المنشآت، وبخاصة المنشآت العاملة في دول الكتلة الشرقية السابقة التي تشترك في خلفيات تاريخية واقتصادية متقاربة، فمعرفة مستويات الكفاءة قبل الأزمات وأثناءها وبعدها تمنح صانعي السياسات ومديري المنشآت صورة واقعية عن حدود الأداء الممكنة في الظروف العادية والاستثنائية على السواء، كما تساعد المنشآت على مقارنة أدائها بأداء نظيراتها في المنطقة وتحديد مواضع القوة والقصور لديها، وتفيد النتائج كذلك في تصميم سياسات اقتصادية تأخذ في الحسبان طبيعة كل دولة وكل قطاع على حدة، بدلًا من تعميم حلول موحدة قد لا تلائم الجميع
وتكتسب هذه المرجعيات قيمة إضافية لكونها مستمدة من عينة ضخمة تجاوزت ثمانية وأربعين ألف منشأة عبر سبع سنوات كاملة امتدت من ألفين وسبعة عشر إلى ألفين وثلاثة وعشرين، ما يمنح المؤشرات المستخلصة منها قدرًا كبيرًا من التمثيل للواقع الاقتصادي في المنطقة، كما أن عرض النتائج مفصلة بحسب الدولة والقطاع يتيح لكل منشأة أن تختار المرجعية الأقرب إلى سياقها المحلي والقطاعي عند تقويم كفاءتها ومقارنة أدائها بأداء المنافسين، وهو ما يعزز جدوى النتائج في التخطيط والمتابعة
وخلاصة القول إن هذه الدراسة قدمت صورة كمية موثقة لكفاءة النشاط التجاري في دول فيشغراد الأربع عبر مرحلة مفصلية امتدت من ما قبل جائحة كورونا إلى ما بعدها، وأثبتت أن الكفاءة تتأثر بعاملي الزمن والدولة معًا، وأن أنماط الأداء ما بعد الأزمة عادت لتقترب من أنماط ما قبلها، وهو ما يجعل نتائجها مرجعًا مفيدًا للباحثين والممارسين على حد سواء








