في الاقتصادات الصاعدة التي تعاني مؤسساتها من جوانب هشاشة واضحة، قد تجد الشركات في شبكات الجهات المؤسسية الرسمية مدخلًا لبناء علاقات تعاون مع المنافسين أنفسهم لتحسين أدائها، وهو ما يعرف بالتعاون التنافسي، وتختبر هذه الدراسة هذه الفكرة في قطاع الرعاية الصحية الخاصة في البرازيل، وهو قطاع يتسم بتنظيم قوي ودعم حكومي ظاهر، لتكشف كيف ترتبط شبكات الجهات المؤسسية الرسمية بتبني الشركات للتعاون التنافسي وبأدائها، وبأي قدر يحدث هذا الارتباط، في ضوء ما تمارسه السياسات التنظيمية من تأثير في استراتيجيات الشركات وسلوكياتها داخل القطاع
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى إثبات أن شبكات المؤسسات الرسمية سابقة لتبني الشركات التعاون التنافسي بهدف تحسين الأداء، وإلى تحليل كيفية ارتباط التعاون التنافسي بجهات المؤسسات الرسمية وبأداء مشغلي الرعاية الصحية الخاصة ومدى هذا الارتباط، إذ ينبع تأثير جهات المؤسسات الرسمية في تشجيع التعاون التنافسي داخل الصناعة من هشاشة المؤسسات في الاقتصادات الصاعدة، واعتمدت الدراسة منهجية كمية على عينة بلغت 149 شركة من نظام الرعاية الصحية الخاصة البرازيلي، وحللت البيانات بنمذجة المعادلات البنائية باستخدام المربعات الصغرى الجزئية، وهو ما أتاح اختبار العلاقات السببية المفترضة بين الشبكات المؤسسية وتبني التعاون التنافسي والأداء في نموذج واحد متكامل
ثانيًا: أبرز النتائج
أبرزت النتائج أن الشبكات التي تسهلها جهات المؤسسات الرسمية تسبق تبني الشركات للتعاون التنافسي من أجل تعزيز الأداء، وأكدت أثر السياسة التنظيمية في استراتيجيات الشركات وسلوكياتها في قطاع الرعاية الصحية، غير أن النتائج شددت في الوقت نفسه على أن شبكات المؤسسات الرسمية وحدها لا تضمن تحسين الأداء، فعلى شركات الرعاية الصحية أن تطور استراتيجيات تعاون تنافسي لخلق القيمة واقتناصها داخل هذه العلاقات، وبذلك يتضح أن العلاقة المؤسسية تمنح الشركات فرصة ولا تمنحها نتيجة جاهزة، فالأداء الأفضل يتحقق حين تحول الشركات ما تتيحه الشبكات من إمكانات إلى ممارسات تعاون تنافسي مدروسة تجمع بين المنافسة والتعاون في آن واحد
ويبين هذا الترتيب بين الشبكات والتعاون التنافسي أن دور جهات المؤسسات الرسمية لا يقتصر على التنظيم والرقابة، بل يمتد إلى تهيئة اللقاءات وبناء الثقة وخفض كلفة التنسيق بين مشغلين يتنافسون في السوق ذاته، فحين توفر هذه الجهات أطرًا رسمية للتشاور وتبادل المعلومات يصبح التعاون بين المتنافسين أقل مخاطرة وأقرب إلى التحقق العملي، غير أن تحويل هذه الأرضية المشتركة إلى قيمة اقتصادية ملموسة يظل مهمة الشركات ذاتها بما تبنيه من استراتيجيات وممارسات مدروسة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تلقي الدراسة الضوء على الديناميات التنظيمية داخل قطاع الرعاية الصحية الخاصة البرازيلي وتقدم رؤى مفيدة للمديرين وصناع السياسات على السواء، فبالنسبة إلى صناع السياسات تسلط النتائج الضوء على فرص وتحديات تعزيز تنافسية قطاع الرعاية الصحية، مؤكدة أهمية مراعاة البيئة المؤسسية عند صياغة السياسات التنظيمية، فالتنظيم القوي والدعم الحكومي يمكن أن يهيئا أرضية للتعاون المثمر بين المشغلين إذا ما أحسن توجيهه، وبالنسبة إلى مديري شركات الرعاية الصحية تفصل الدراسة الفرص المتاحة لتطوير استراتيجيات التعاون التنافسي والاستفادة من الشبكات المؤسسية الرسمية في خلق القيمة، مع تنبيه الدراسة إلى أن نتائجها تخضع لشروط حدية قد تحد من إمكانية تعميمها على سياق عالمي أوسع، فضلًا عن تقييد تصميمها المقطعي لها، إذ تعكس إجابات المستجيبين السيناريو الراهن في قطاع الرعاية الصحية تحديدًا
وتقترح الدراسة ضمنًا أجندة بحثية وتطبيقية مقبلة، فعلى صعيد البحث تدعو حدود التعميم والتصميم المقطعي إلى دراسات تتبع تطور الشبكات المؤسسية واستراتيجيات التعاون التنافسي عبر سياقات أخرى من الاقتصادات الصاعدة، وعلى صعيد الممارسة تستطيع الجهات التنظيمية استثمار النتائج في تصميم أطر قطاعية تشجع التعاون المشروع بين المشغلين دون مساس بقواعد المنافسة العادلة، بينما يستطيع مديرو الشركات رسم خرائط علاقاتهم المؤسسية وتحديد فرص التعاون التنافسي الأعلى قيمة لعملائهم وأسواقهم مجتمعين
وخلاصة القول إن الدراسة أثبتت بالأدلة الكمية أن شبكات المؤسسات الرسمية تمهد لتبني التعاون التنافسي في قطاع الرعاية الصحية الخاصة البرازيلي، وأن هذه الشبكات لا تكفي وحدها لتحسين الأداء ما لم ترافقها استراتيجيات تعاون تنافسي واعية، وبذلك تقدم إطارًا عمليًا يفيد صناع السياسات والمديرين في فهم التفاعل بين البيئة المؤسسية وسلوك الشركات التنافسي








