يحتل الاستثمار الأجنبي المباشر موقعًا محوريًا في النقاش الدائر حول مستقبل صناعة الطيران في دول رابطة أمم جنوب شرق آسيا، إذ يرتبط تحرير هذه الصناعة بقدرة المنطقة على استعادة زخم النمو الذي توقفت حركته بفعل جائحة كورونا، ويستعرض هذا المقال الإطار القانوني الإقليمي الذي يحكم الاستثمار في شركات الطيران وحقوق الحركة الجوية، ويناقش أسباب تردد الدول الأعضاء في المضي قدمًا نحو تحرير أوسع لقطاعها الجوي، وما يمكن أن يترتب على استئناف مسار التحرير من مكاسب اقتصادية وتنموية تصب في مصلحة مواطني المنطقة واقتصاداتها المترابطة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
يهدف المقال إلى مناقشة الحاجة الملحة إلى استدعاء التزام الدول الأعضاء في الرابطة بالتحرير التدريجي لصناعة الطيران استنادًا إلى إطارين قانونيين إقليميين رئيسين، هما اتفاق إطار الخدمات واتفاق تجارة الخدمات، بوصفهما الأساس التعاهدي الذي يمكن البناء عليه للوصول إلى إقامة ناقل جوي إقليمي مشترك يخدم مواطني دول الرابطة، ويعتمد المقال منهجًا تحليليًا قانونيًا يراجع الأطر التنظيمية القائمة ويقيم مدى تفاعل الدول الأعضاء معها، ويستعرض في الوقت نفسه الخلفية الاقتصادية التي تجعل من تحرير الطيران ضرورة لا خيارًا قابلًا للتأجيل، فقد سبق أن أطلقت الرابطة قبل نحو عقد مبادرة الأجواء المفتوحة المعروفة بسوق الطيران الموحدة، وحدد مخطط الجماعة الاقتصادية لألفين وخمسة وعشرين أهدافًا لبناء اقتصاد إقليمي متكامل ومتماسك يحتل فيه الربط الجوي السلس مكانة جوهرية
ثانيًا: أبرز النتائج
يخلص المقال إلى أن الدول الأعضاء ما تزال مترددة إزاء جهود التحرير، إذ تحافظ على نزعة حمائية في مجالين حساسين، أولهما حريات الأجواء المتصلة بحقوق الحركة الجوية، وثانيهما الاستثمار الأجنبي المباشر المتصل بملكية شركات الطيران والسيطرة عليها، ويلاحظ أن الأطر القانونية الإقليمية القائمة لم تحظ إلا باهتمام فاتر من الدول الأعضاء رغم ما توفره من أساس تعاهدي صالح للتحرير التدريجي، وفي المقابل يبدو تطور سوق الطيران في جنوب شرق آسيا بعد الجائحة واعدًا، إذ تُسلَّم أعداد متزايدة من الطائرات إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ بما فيها دول الرابطة، ويؤكد المقال أن تحرير الصناعة شرط جوهري لإعادة تشغيلها عند مستويات ما قبل الجائحة ولاغتنام زخم ما يوصف بالقرن الآسيوي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنبع أهمية هذا المقال من ربطه بين البعد القانوني والبعد التنموي في سياسات الطيران الإقليمية، فهو يقدم لصانعي السياسات والمشرعين في دول الرابطة حجة متكاملة مفادها أن التحرير التدريجي المنضبط باتفاقات قائمة بالفعل يختصر الطريق نحو إقامة ناقل مجتمعي إقليمي تعود منافعه على المواطنين في صورة ربط جوي أوسع وخدمات أجود، كما تفيد نتائجه الباحثين في قانون الطيران والتكامل الاقتصادي الإقليمي، إذ يسلط الضوء على الفجوة القائمة بين الالتزامات التعاهدية المعلنة والممارسات الحمائية الفعلية، وهي فجوة تستحق مزيدًا من الرصد والتحليل في دراسات لاحقة تقارن تجربة الرابطة بتجارب تكتلات إقليمية أخرى قطعت شوطًا أبعد في تحرير أجوائها واستثماراتها في النقل الجوي
ويستند المقال في بنائه إلى ملاحظة اقتصادية أساسية مفادها أن منطقة آسيا والمحيط الهادئ تستقبل حصة متنامية من الطائرات الجديدة المسلمة عالميًا، وأن دول الرابطة جزء من هذه الحركة التصاعدية، ما يجعل تنظيم الاستثمار الأجنبي في شركات طيرانها قرارًا استراتيجيًا يتجاوز قطاع النقل إلى موقع المنطقة في الاقتصاد العالمي، ويربط المقال بين ذلك وبين أهداف مخطط الجماعة الاقتصادية لألفين وخمسة وعشرين في بناء اقتصاد إقليمي متكامل ومتماسك، إذ لا تكامل حقيقيًا بلا ربط جوي سلس يختصر المسافات بين العواصم والمدن، ويجعل حركة الأفراد والبضائع والخدمات جزءًا من سوق واحدة لا جزرًا متناثرة تفصل بينها قيود الملكية وحقوق الحركة
وخلاصة القول إن مستقبل صناعة الطيران في جنوب شرق آسيا مرهون بقرار سياسي وقانوني يعيد تفعيل التزامات التحرير التدريجي المنصوص عليها في اتفاق إطار الخدمات واتفاق تجارة الخدمات، فالفرص التي يتيحها تعافي السوق وتزايد تسليم الطائرات إلى المنطقة لن تتحول إلى مكاسب مستدامة ما دامت الحمائية قائمة في حقوق الحركة وملكية الشركات والسيطرة عليها، وما دام الاهتمام بالأطر الإقليمية فاترًا، ومن هنا يدعو المقال الدول الأعضاء إلى تجاوز التردد الراهن نحو مسار تحرير متدرج يوازن بين الانفتاح وحماية المصالح الوطنية، وصولًا إلى ناقل إقليمي مشترك يجسد أهداف الجماعة الاقتصادية ويخدم مواطني المنطقة جميعًا








