تتناول هذه الدراسة الدور الاقتصادي لمراجعة الموازنة الحكومية في ظل جائحة كورونا من خلال حالة ألبانيا، فالسياسات المالية تعد من أهم الأدوات التي تمتلكها الحكومات لتوجيه تقدم التنمية الاقتصادية في بلدانها، ويبرز استخدامها بدرجة كبيرة في الحالات التي يمر فيها الاقتصاد بفترة ركود كتلك الحالية التي سببتها الجائحة، إذ تلجأ الحكومات إلى إعادة هيكلة موازناتها أثناء العام المالي للاستجابة للمتغيرات الطارئة، غير أن السؤال الذي تثيره الدراسة هو ما إذا كانت هذه المراجعات تراعي الآثار المضاعفة التي تحدثها الموازنة في مجمل النشاط الاقتصادي أم أنها تتم لأغراض ضيقة محدودة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقييم الآثار المضاعفة التي تحدثها مراجعة الموازنة في الاقتصاد في حالة ألبانيا، بالإشارة تحديدًا إلى سيناريو الموازنة الأولية والموازنة المنقحة لعام 2020 الذي اتسم بتغيرات كبيرة فرضها وجود جائحة كورونا، واعتمدت الدراسة على المضاعفات المستمدة من جداول المدخلات والمخرجات لاشتقاق الأثر الكلي الذي تحدثه موازنة الدولة في الاقتصاد خلال سنة معينة، بما أتاح مقارنة ما ترتب على إعادة الهيكلة التي أجريت أثناء العام من آثار اقتصادية كلية، وفحص الأسس التي استندت إليها عملية المراجعة ومدى حضور حسابات الأثر المضاعف في قراراتها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت الدراسة أن إعادة هيكلة الموازنة التي تجري أثناء العام لا تأخذ في الحسبان الأثر المضاعف في الاقتصاد، بل تتم في الغالب لأغراض محددة تتصل بوظائف حكومية معينة تسعى الحكومة إلى تلبيتها في لحظتها، بما يعني أن قرارات المراجعة تحركها اعتبارات قطاعية أو التزامات طارئة أكثر مما تحركها حسابات العائد الاقتصادي الكلي، وأن الفرص التي تتيحها إعادة توجيه الإنفاق العام نحو الخيارات ذات الآثار المضاعفة الأعلى قد تضيع في غياب إطار تقييمي يقارن بين البدائل المتاحة أثناء المراجعة، ويقدر ما يولده كل بديل من نشاط اقتصادي مباشر وغير مباشر عبر روابط المدخلات والمخرجات بين القطاعات
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تخلص الدراسة إلى أنه من المهم جدًا في هذا السياق أن تقيم الخيارات المختلفة أثناء مراجعة الموازنة تقييمًا منهجيًا، وأن تنتهي عملية التقييم إلى اختيار البديل الذي يحقق أعلى عائدات للاقتصاد، وتنطوي هذه النتيجة على دلالات مباشرة لوزارات المالية وصناع السياسات المالية في الدول التي تضطر إلى مراجعة موازناتها أثناء الأزمات، إذ تدعوهم إلى إدخال تحليل المضاعفات المستند إلى جداول المدخلات والمخرجات في صلب إجراءات المراجعة، بدل الاكتفاء بالاستجابة للأغراض الوظيفية العاجلة، بما يرفع كفاءة الإنفاق العام ويعظم أثره في دعم النشاط الاقتصادي خلال فترات الركود والتعافي منها
ويتضح من هذا التحليل أن إشكالية مراجعة الموازنة في أوقات الأزمات ليست إشكالية حجم إنفاق فحسب، بل إشكالية توجيه وتوقيت أيضًا، فالموازنة الأولية تعد في ظروف اعتيادية نسبيًا، وحين يطرأ ركود حاد كالذي أحدثته الجائحة تضطر الحكومة إلى إعادة توزيع الاعتمادات بسرعة لتمويل الاستجابات الطارئة، وفي خضم هذه السرعة تغيب غالبًا الحسابات الكلية لأثر إعادة التوجيه في القطاعات المترابطة عبر سلاسل المدخلات والمخرجات، فتنتقل الموارد إلى وظائف تبدو أكثر إلحاحًا دون تقدير ما تفقده القطاعات المحرومة منها من نشاط متولد، وما كان يمكن أن يحققه البديل المهمل من عوائد أوسع، ولهذا تؤكد الدراسة أن إدماج مضاعفات جداول المدخلات والمخرجات في إجراءات المراجعة يحول قرار إعادة الهيكلة من استجابة ارتجالية لأغراض وظيفية متناثرة إلى عملية موازنة واعية بين البدائل تختار منها ما يعظم العائد على الاقتصاد الوطني في أوقات الشدة
وتستند قوة هذا الاستنتاج إلى طبيعة الأداة المستخدمة في التحليل، فجداول المدخلات والمخرجات ترسم خريطة الترابطات القطاعية في الاقتصاد وتبين كيف ينتقل أثر أي تعديل في الإنفاق العام من قطاع إلى آخر بصورة متسلسلة، وهو ما يجعل المضاعفات المستخرجة منها مقياسًا عمليًا لما يسمى بالأثر الكلي للموازنة، ومن ثم فإن إهمال هذا المقياس عند المراجعة يعني التخلي الطوعي عن بوصلة ترشد قرار إعادة الهيكلة نحو خياراته الأكثر جدوى
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقيم الآثار المضاعفة لمراجعة الموازنة الحكومية في ألبانيا أثناء جائحة كورونا باستخدام مضاعفات جداول المدخلات والمخرجات، مبينة أن إعادة هيكلة الموازنة أثناء العام تجري غالبًا لأغراض وظيفية محددة دون مراعاة أثرها المضاعف في الاقتصاد، وأن الرشادة المالية تقتضي تقييم البدائل المتاحة أثناء المراجعة تقييمًا مقارنًا واختيار البديل الأعلى عائدًا، بما يجعل من تحليل الآثار المضاعفة أداة ضرورية في يد صناع السياسات المالية عند إدارة الموازنات في أوقات الأزمات








