تتناول هذه الورقة القوانين والأنظمة المعمول بها لحماية المتنزهات الوطنية والمناطق المحمية من خلال مقارنة النهج المعتمد في كل من المملكة المتحدة وفرنسا لحماية المساحات الخضراء، فالمتنزهات الوطنية حول العالم توصف غالبًا بتنوع حياتها البرية ومناظرها الخلابة وتراثها الثقافي، وتمثل هذه المناظر الطبيعية والبحرية الاستثنائية أهمية مثبتة لصحة من يزورها ورفاههم النفسي، غير أنها بالنسبة إلى كثيرين هي أيضًا المكان الذي يعيشون فيه ويعملون، وقد أبرزت عمليات الإغلاق المرتبطة بجائحة كورونا في عامي 2020 و2021 أهمية الوجود في الطبيعة وممارسة الرياضة في المساحات الخضراء
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الورقة إلى فحص الأطر القانونية والتنظيمية التي تحمي هذه الأماكن الخاصة في ولايتين قضائيتين هما فرنسا والمملكة المتحدة، من خلال عدسة متنزهين وطنيين فيهما هما نيو فورست وكالانك، وتناولت في هذا الإطار ما شهده إرث الجائحة من صعود لما يعرف بالإجازات المحلية، إذ أصبح الناس أقل ميلًا إلى السفر إلى الخارج وأكثر ميلًا إلى استكشاف الطبيعة والمناظر القريبة من منازلهم، وفحصت الورقة ما جلبته هذه التحولات من منافع اقتصادية للمتنزهات الوطنية، وما حملته في الوقت ذاته من تحديات لم تدرك أبعادها بالكامل بعد ولم تعالج على النحو الأمثل حتى الآن
ثانيًا: أبرز النتائج
بينت الدراسة من خلال المقارنة بين النهجين البريطاني والفرنسي أن حماية المتنزهات الوطنية تقوم على أطر من القوانين والأنظمة تستهدف صون هذه الأماكن الخاصة بما تزخر به من تنوع طبيعي وتراث ثقافي، وأن الضغوط المتزايدة على هذه المساحات بعد الجائحة، بفعل تنامي الإقبال المحلي عليها وتراجع السفر الخارجي، أفرزت معادلة دقيقة بين جني المنافع الاقتصادية من السياحة المحلية المتنامية وبين مواجهة تحديات الحماية والاستدامة التي لم تستكمل معالجتها بعد، كما أوضحت الدراسة أن طبيعة هذه الأماكن بوصفها موطن إقامة وعمل لكثيرين لا مجرد وجهات للزيارة تفرض على الأطر التنظيمية مراعاة مصالح المجتمعات المحلية إلى جانب اعتبارات الحفاظ على الطبيعة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل الدراسة دلالات عملية لإدارات المناطق المحمية وواضعي سياسات المساحات الخضراء في بلدان مختلفة، إذ توفر مقارنة النهجين الفرنسي والبريطاني دروسًا قابلة للاستفادة عند تصميم أنظمة حماية توازن بين الانتفاع العام وصون القيم الطبيعية والثقافية، وتنبه إلى ضرورة الاستعداد المبكر للضغوط المتصاعدة على المتنزهات في أعقاب الأزمات التي تغير أنماط السياحة والسفر، ومراعاة السكان العاملين والمقيمين داخل هذه المناطق عند صياغة القواعد، بما يجعل حماية المتنزهات الوطنية مشروعًا متكاملًا يجمع بين فعالية التنظيم القانوني واستدامة المنافع الاقتصادية ورفاه الزوار والمجتمعات المحلية معًا
وتكتسب هذه المقارنة راهنيتها من التحول الذي فرضته الجائحة على علاقة الناس بالطبيعة القريبة منهم، فقد دفعت قيود السفر الدولي ملايين الأشخاص إلى إعادة اكتشاف المتنزهات والمساحات الخضراء في بلدانهم، ونشأ عن ذلك نمط الإجازات المحلية الذي واصل حضوره بعد انقضاء الإغلاقات، محولًا هذه المناطق من وجهات موسمية محدودة الإقبال إلى مقاصد مزدحمة على مدار العام، وهو تحول يحمل وجهين متلازمين رصدتهما الورقة، فهو من جهة يدر عوائد اقتصادية مهمة على المتنزهات والمجتمعات المحيطة بها ويرفع الوعي العام بقيمة التراث الطبيعي، لكنه من جهة أخرى يضغط على البنية التحتية والموائل الحساسة ويولد تحديات إدارية وقانونية في ضبط أعداد الزوار وتوزيعهم لم تستكمل معالجتها بعد، وهنا تبرز الحاجة إلى أطر تنظيمية مرنة تستوعب هذا الإقبال المستجد دون التفريط في وظيفة الحماية التي قامت عليها هذه المناطق أصلًا
وتخلص الورقة بذلك إلى أن حماية المتنزهات الوطنية في المرحلة ما بعد الجائحة لم تعد مسألة حراسة حدود طبيعية فحسب، بل أصبحت عملية إدارة متواصلة لعلاقة متغيرة بين الإنسان والطبيعة، تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وتتطلب تنسيقًا بين إدارات المناطق المحمية والسلطات المحلية والمجتمعات المقيمة فيها لضمان استدامة هذه المساحات لأجيال مقبلة
وخلاصة القول إن هذه الورقة تقارن بين نهجي المملكة المتحدة وفرنسا في حماية المتنزهات الوطنية والمناطق المحمية من خلال متنزهي نيو فورست وكالانك، مبينة أن الأطر القانونية الناظمة لها تواجه بعد جائحة كورونا تحديات جديدة فرضها صعود الإجازات المحلية وتزايد الإقبال على الطبيعة القريبة، وأن نجاح الحماية يقتضي موازنة دقيقة بين المنافع الاقتصادية وصون التراث الطبيعي والثقافي ومراعاة المجتمعات التي تعيش وتعمل داخل هذه المساحات الخضراء الخاصة








