تتناول هذه الورقة أثر أنظمة التربية المشتركة التي فرضها الإغلاق في جنوب أفريقيا على رفاه الأطفال، فقد استجابت الحكومة لجائحة كورونا بإغلاق صارم وتشريعات مصاحبة له، وحظرت بموجب هذه الأنظمة انتقال الأطفال بين أصحاب الحقوق والمسؤوليات الوالدية المشتركين من مقدمي الرعاية كما يعرفهم قانون الطفل، ولم يكن انتقال الأشخاص مسموحًا إلا في الحالات الضرورية، فوجد الأطفال أنفسهم عالقين لدى أحد أصحاب الحقوق المشتركين أو حتى لدى شخص لا يتمتع بأي مسؤوليات أو حقوق والدية، وكان يتعين الحصول على أمر من المحكمة للإذن بسفر الطفل مع إثبات أن هذا السفر ملح وضروري
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الورقة إلى تحديد القضايا والآثار المترتبة على التربية المشتركة أثناء الإغلاق وتقديم نقد للظروف التي أحاطت بها، واعتمدت على تحليل الأنظمة التي نظمت انتقال الأطفال في تلك الفترة وحدود تطبيقها، فقد اقتصرت هذه الأنظمة على الأطفال المشمولين بترتيب رسمي، واستبعدت الآباء المشتركين ممن لا يحملون أوامر قضائية ومن هم في خضم إجراءات الطلاق، كما تناولت الورقة ما ترتب على إغلاق المدارس لنحو ثلاثة أشهر من تصاعد ملحوظ في النزاعات بين الوالدين، وفحصت مدى اتساق هذه الأنظمة مع الدستور وقانون الطفل اللذين يؤكدان أن المصلحة الفضلى للطفل هي الاعتبار الأسمى في جميع المسائل المتعلقة به
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت الدراسة أن النزاعات بين الوالدين تركزت أساسًا حول الأنظمة التي اشترطت ألا ينتقل الأطفال إلا إلى أسر خالية من كورونا، وأن هذه الأنظمة تجاهلت تمامًا الاحتياجات العاطفية للطفل وابتعدت كثيرًا عما طبقته بلدان أخرى في ظروف مماثلة، كما أنها تعارضت مع الدستور وقانون الطفل، إذ لم يكن من مصلحة الطفل أن يقيم عند والد بعينه أو أن يحرم من والد بعينه طوال فترة الإغلاق، وبينت الورقة أن النهج الموحد الصالح للجميع الذي جاءت به أنظمة الإغلاق لم يكن الأنسب، لأن المعيار الواجب الاعتماد كان ينبغي أن يقوم على ما يحقق مصلحة الطفل الفضلى، وهو ما يستلزم تقييم كل حالة على حدة بحسب ظروفها الخاصة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي نتائج الدراسة على دلالات تشريعية وعملية مهمة لإدارة شؤون الأسرة في الأزمات، إذ تدعو صناع السياسات إلى تجنب الحلول الموحدة الجامدة عند تنظيم انتقال الأطفال بين والديهم في حالات الطوارئ، واعتماد تقييم قائم على دراسة كل حالة بذاتها يضع المصلحة الفضلى للطفل في المقدمة، ومراعاة الاحتياجات العاطفية والنفسية للأطفال عند صياغة قيود التنقل، وشمول الترتيبات غير الرسمية وترتيبات من هم في إجراءات الطلاق بنطاق الحماية التنظيمية، بما يحفظ استقرار الأطفال وعلاقاتهم بوالديهم ويمنع تحول القيود الصحية المؤقتة إلى مصدر نزاعات أسرية ممتدة الأثر
وتتعمق إشكالية هذه الأنظمة حين يلاحظ أنها لم تقتصر على تقييد تنقل الأطفال بين والديهم فحسب، بل امتدت آثارها إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الوالدين ذاتها، فاشتراط خلو الأسرة المستقبلة من كورونا جعل صحة المنازل موضوعًا للتنازع القضائي بين الطرفين، وأدى تعليق الدراسة الحضورية بأشهرها الثلاثة إلى بقاء الأطفال فترات أطول في بيئة أسرية متوترة تتصاعد فيها الخلافات حول الامتثال للأنظمة وتفسيرها، في وقت غابت فيه آليات سريعة ومرنة للفصل في هذه النزاعات المستجدة، كما أن استبعاد الآباء الذين لا يستندون إلى ترتيبات رسمية أوامر قضائية خلق فئة من الأطفال خارج نطاق الحماية التنظيمية أصلًا، وهو ما يعزز حجة الدراسة بأن الأنظمة تجاهلت تباين أوضاع الأسر وافترضت نموذجًا واحدًا للتربية المشتركة لا ينطبق على الواقع المتنوع للعلاقات الوالدية بعد الانفصال
كما يلفت هذا النقد الانتباه إلى فجوة بين النص والممارسة، فالمصلحة الفضلى للطفل مبدأ مقرر في أعلى النصوص القانونية مرتبة، غير أن أنظمة الطوارئ صيغت بمنطق إداري عام لم يترك مجالًا لتفعيل هذا المبدأ في الحالات الفردية، فغاب صوت الطفل واحتياجاته العاطفية عن حسابات صانع القرار في لحظة تفترض حمايته أولًا
وخلاصة القول إن هذه الورقة تقدم نقدًا مؤسسًا لأنظمة التربية المشتركة أثناء الإغلاق في جنوب أفريقيا، مبينة أنها علقت الأطفال لدى أحد الوالدين واشترطت أوامر قضائية للانتقال واستبعدت الترتيبات غير الرسمية وأشعلت النزاعات بين الوالدين، وأنها بتجاهلها الاحتياجات العاطفية للطفل ومخالفتها مبدأ المصلحة الفضلى الراسخ في الدستور وقانون الطفل لم تكن النهج الأنسب، وأن البديل الرشيد يقوم على تقييم كل حالة على حدة بما يصون مصلحة الطفل في أوقات الأزمات








