تتناول هذه الدراسة العوامل المؤثرة في تصميم التجارب السياحية التحويلية وفي الإنشاء المشترك للقيمة، من منظور رواد الأعمال السياحيين أنفسهم، فثمة تجارب سفر لا تنتهي بانتهاء الرحلة، بل تترك في المسافر تغيرًا ذاتيًا ملموسًا في نظرته ومهاراته واتجاهاته، وتسعى منشآت سياحية متنامية إلى تصميم مثل هذه التجارب قصدًا لا مصادفة، غير أن ما يلزم لتحقيقها من موارد ومحفزات لم يحظَ بعد بإطار مفاهيمي جامع يرشد الممارسين والباحثين إلى كيفية اجتماع هذه العناصر وتفاعلها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء نموذج مفاهيمي يدمج الموارد والمحفزات المختلفة التي تسهم في تصميم التجارب التحويلية والإنشاء المشترك للقيمة وصولًا في نهاية المطاف إلى التغير الذاتي لدى العميل، ويبرز النموذج أهمية التعامل مع تصميم التجربة التحويلية والإنشاء المشترك للقيمة بوصفهما مفهومين متميزين وإن كانا متداخلين، فلكل منهما موارده الخاصة واهتمامه المحدد، ولا يصح اختزال أحدهما في الآخر أو إدارتهما بأدوات واحدة، وقامت الدراسة على منظور رواد الأعمال السياحيين بوصفهم الفاعلين الذين يصممون التجارب ويسهلون حدوثها، فجاء النموذج معبرًا عن شروط الإنتاج الحقيقية لهذه التجارب لا عن تصورات نظرية مجردة منفصلة عن الممارسة
ثانيًا: أبرز النتائج
أكد النموذج المقترح الدور المحوري لرواد الأعمال في تسهيل التجارب التحويلية عبر عناصر متعددة، في مقدمتها الأنشطة المصممة بعناية، والتصميم الحسي الذي يخاطب حواس الزائر، ورأس المال البشري المتمثل في كفاءات العاملين وقدراتهم، ورأس المال الاجتماعي بما يتيحه من علاقات وشبكات، والقدرات التسويقية التي توصل التجربة إلى جمهورها المناسب، وبين النموذج أن التغير الذاتي لدى المسافر ليس نتيجة لحظية لعنصر واحد، بل ثمرة تراكب هذه الموارد والمحفزات وتفاعلها أثناء التجربة، وأن مساهمة العميل نفسه في إنشاء القيمة جزء أصيل من هذه العملية لا ملحق عارض بها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة رؤى قيمة لرواد الأعمال السياحيين وصناع السياسات الساعين إلى تطوير التجارب السياحية التحويلية والترويج لها بما يعزز تغيرًا ذا معنى ودائمًا لدى المسافرين، فهي تنبه الريادي إلى أن الاستثمار في رأس المال البشري والاجتماعي والتصميم الحسي لا يقل أهمية عن الاستثمار في المرافق، وأن التمييز الواعي بين تصميم التجربة وإنشاء القيمة المشترك يساعد على إدارة كل منهما بأدواته الخاصة وقياس نجاحه بمعاييره، كما يثري النموذج الأدبيات بربطه مفاهيم كانت تدرس منفصلة غالبًا ضمن إطار واحد متكامل، ويفتح الباب أمام دراسات ميدانية تختبر مساراته وعلاقاته في سياقات سياحية متنوعة وثقافات مختلفة
وتستمد التجارب التحويلية أهميتها المتنامية من تحول أعمق في طلب السائحين أنفسهم، إذ لم يعد كثير منهم يكتفي بمشاهدة المعالم أو الاسترخاء، بل صار يبحث عن تجارب تضيف إليه مهارة أو منظورًا أو فهمًا جديدًا لذاته والعالم، وهذا التحول يضع رواد الأعمال السياحيين أمام مهمة أصعب من تقديم خدمة جيدة، وهي هندسة مواقف وتفاعلات قادرة على إحداث أثر داخلي لدى العميل، وهي مهمة لا تدار بالحدس وحده بل تحتاج إلى إطار يبين عناصرها وشروط نجاحها كما يقدمه النموذج المقترح في هذه الدراسة
ويلفت النموذج الانتباه إلى أن قيمة التجربة التحويلية لا تنشأ في لحظة واحدة، بل تتشكل عبر سلسلة تبدأ من تصميم الأنشطة وإعداد البيئة الحسية المناسبة، وتمر بكفاءة البشر الذين يديرون التجربة وبشبكة العلاقات التي تحيط بها، وتنتهي بقدرة تسويقية توصل الوعد الصحيح إلى العميل الصحيح، فإذا اختلت حلقة من هذه السلسلة ضعف احتمال حدوث التغير الذاتي المنشود مهما قويت بقية الحلقات، وبذلك يقدم النموذج لرواد الأعمال قائمة فحص عملية يمكنهم مراجعة مشاريعهم على ضوئها قبل إطلاقها وبعده
ويمكن النظر إلى التمييز بين تصميم التجربة التحويلية وإنشاء القيمة المشترك بوصفه أحد أهم إسهامات النموذج، فالخلط بينهما عمليًا قد يدفع الريادي إلى الاهتمام بمظهر التجربة وإهمال دور العميل في صنعها، أو العكس، بينما يوضح الإطار أن التجربة المصممة بإتقان تظل ناقصة ما لم يجد العميل فيها مساحته للمشاركة والاختيار والتعبير، فالتحول الذاتي لا يقدم للمسافر جاهزًا، بل يولد من تفاعله هو مع ما صمم له
وخلاصة القول إن التجربة السياحية التحويلية لا تولد من جمال الوجهة وحده، بل من تصميم واعٍ يجمع الموارد والمحفزات ويشرك المسافر في صنع القيمة، حتى يعود من رحلته وقد تغير فيه شيء يبقى معه طويلًا بعد انقضاء أيام السفر








