صار تعليم الذكاء الاصطناعي مكوّنًا متزايد الأهمية في الثقافة الرقمية التي ينبغي أن يمتلكها الجميع، إذ لم تعد تطبيقات الذكاء الاصطناعي حكرًا على المتخصصين بل غدت جزءًا من الحياة اليومية والتعليم والعمل، ومع ذلك ما زال هذا المجال غير مستكشف بما يكفي، ولا سيما في المرحلة الابتدائية حيث تتشكل الاتجاهات والكفاءات الأولى لدى التلاميذ، وتدور في الأدبيات أسئلة حول أفضل السبل لتعليم مفاهيم الذكاء الاصطناعي للصغار، ومن أبرزها المفاضلة بين الأنشطة الموصولة التي تُمارس عبر الأجهزة الرقمية والأنشطة غير الموصولة التي تُمارس دون أجهزة عبر اللعب والتمثيل والمواد المحسوسة، ومن هنا هدفت الدراسة الحالية إلى فحص ما إذا كان الجمع بين النوعين أكثر فاعلية من الاقتصار على الأنشطة الموصولة في تنمية الثقافة بالذكاء الاصطناعي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
اعتمدت الدراسة منهجًا شبه تجريبي بقياسات متكررة ومجموعة ضابطة، وشارك فيها ستة وخمسون تلميذًا من تلاميذ الصف الرابع الابتدائي توزعوا على مجموعة تجريبية ومجموعة ضابطة، ومر التدخل بثلاث مراحل تعليمية، تلقت في أولاها المجموعتان معًا الدروس التمهيدية نفسها في التعريف بالذكاء الاصطناعي، ثم انخرطت المجموعة التجريبية في المرحلة الثانية في أنشطة غير موصولة بينما انخرطت المجموعة الضابطة في أنشطة موصولة، وعملت المجموعتان في المرحلة الثالثة بأنشطة موصولة، وقيس نمو الثقافة بالذكاء الاصطناعي لدى التلاميذ بعد كل مرحلة بأداتين، مقياس للكفاءة الذاتية في الذكاء الاصطناعي وتقييم قائم على الرسم يعبر فيه التلاميذ عن تصوراتهم، بما أتاح تتبع أثر كل مرحلة وأثر ترتيب الأنشطة وتسلسلها
ويعكس تصميم الدراسة بمراحله الثلاث منطق التدرج في تعليم المفاهيم المجردة للصغار، إذ تبدأ التجربة بتأسيس مشترك، ثم تفترق المجموعتان في نوع النشاط ليتسنى عزل أثر الأنشطة غير الموصولة، ثم تلتقيان مجددًا في الأنشطة الموصولة، فتُقرأ الفروق اللاحقة في ضوء ما بناه كل مسار، ويمنح القياس المتكرر صورة نمو متحركة بدل لقطة قياس واحدة
ثانيًا: أبرز النتائج
خلصت الدراسة إلى أن إدراج الأنشطة غير الموصولة حسّن بفاعلية الكفاءة الذاتية لدى التلاميذ في الذكاء الاصطناعي خلال فترة قصيرة، إذ منحت الأنشطة البعيدة عن الشاشات التلاميذ مدخلًا محسوسًا وآمنًا لفهم مفاهيم مجردة كالتعرف إلى الأنماط واتخاذ القرار الآلي، كما بينت أن الأنشطة المختلطة التي تجمع بين غير الموصولة والموصولة كانت مفيدة في تعزيز تصور التلاميذ للذكاء الاصطناعي وفهمهم لطبيعته، فحين انتقل التلاميذ بعد التأسيس غير الموصول إلى العمل على الأجهزة كان تصورهم أغنى وكفاءتهم أعلى، وهو ما يرجح أن قيمة كل نوع من الأنشطة لا تنفصل عن موضعه في التسلسل التعليمي وتوقيته ضمن التجربة الكلية
وتنسجم هذه النتيجة مع ما يعرفه معلمو الصفوف الأولى من أن الطفل يتعلم بالممارسة المحسوسة قبل التجريد، فالأنشطة غير الموصولة تتيح للتلاميذ تمثيل فكرة تعلم الآلة وتدريبها بأدوات صفهم وأنشطتهم اليومية، فيتحول الذكاء الاصطناعي من صندوق غامض داخل الجهاز إلى خبرة مفهومة قابلة للحديث عنها ورسمها ومناقشتها مع الأقران والمعلمين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم النتائج دلالات عملية لتعليم الذكاء الاصطناعي في المدارس الابتدائية، إذ تدعو المعلمين ومصممي المناهج إلى دمج الأنشطة غير الموصولة والأنشطة الموصولة دمجًا استراتيجيًا مدروسًا، مع تحسين توقيت كل نوع وتسلسله بما يعظم أداء التلاميذ التعليمي، فالبدء بأنشطة محسوسة بعيدة عن الأجهزة يبني تصورات أولية وكفاءة ذاتية تيسر الانتقال اللاحق إلى التطبيقات الرقمية، كما تنبه النتائج إلى أن تعليم الذكاء الاصطناعي للصغار لا يحتاج بالضرورة إلى بنية تقنية مكلفة في مراحله الأولى، وأن أنشطة بسيطة من اللعب والتفاعل الصفي قد تصنع أثرًا سريعًا، وهو ما يفتح الباب أمام مدارس محدودة الموارد لتدريس هذا المجال الناشئ بفاعلية وعدالة
كما تفتح الدراسة بابًا لبحوث لاحقة تتوسع في الفئات العمرية ومدة التدخلات وتقيس بقاء الأثر عبر الزمن، وتدعو القائمين على تدريب المعلمين إلى تزويدهم بحقائب أنشطة غير موصولة جاهزة وإرشادات لجدولتها قبل الأنشطة الرقمية وبينها، فلا يترك نجاح الدمج لاجتهاد المعلم الفردي وحده
وخلاصة القول إن تنمية الثقافة بالذكاء الاصطناعي لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية تتحقق بصورة أفضل حين تمزج الأنشطة غير الموصولة بالأنشطة الموصولة في تسلسل مدروس، فقد أثبتت الأنشطة البعيدة عن الأجهزة قدرتها على رفع الكفاءة الذاتية سريعًا وتهيئة تصورات غنية، وبقي على المعلمين استثمار هذا المزج بتوقيت محكم يجعل رحلة تعلم الذكاء الاصطناعي ممتعة ومثمرة منذ الصفوف الأولى








