تتناول هذه الدراسة المنشورة في مجلة بوتشيفستروم الإلكترونية للقانون أثر المنهج القائم على المخاطر في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في الشمول المالي في جنوب أفريقيا، وتنطلق من تصور مفاده أن هذا المنهج يقوم على تطوير تدابير ملائمة لضبط المخاطر استنادًا إلى عملية تحديد تلك المخاطر وتصنيفها بهدف منعها ومكافحتها، وأنه يكيّف القواعد لتركيز الاهتمام على حالات الخطر الأعلى، ويمنح الجهات الفاعلة الخاصة قدرًا أكبر من السلطة التقديرية في اختيار كيفية توظيف تدابيره، ويتطلب من المؤسسات الخاضعة للتنظيم أن تمارس حكمًا سليمًا وأن تستجيب على نحو ملائم لأي مخاطر يتم التعرف عليها، وهو ما يجعله إطارًا تنظيميًا مرنًا يختلف جوهريًا عن الالتزام الجامد بالقواعد الموحدة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحليل كيفية تطبيق مقدمي الخدمات المالية في جنوب أفريقيا للمنهج القائم على المخاطر، وتقويم انعكاساته العملية على الشمول المالي، واستجلاء مدى نجاح هذا الإطار في الموازنة بين هدفين مزدوجين هما حماية سلامة النظام المالي من جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتوسيع الوصول إلى الخدمات المالية ليشمل الفقراء والفئات الضعيفة وذوي الدخل المنخفض ممن كانوا مستبعدين من التعامل المصرفي الرسمي، واعتمدت الدراسة منهج التحليل القانوني والتنظيمي للإطار الذي أرساه تعديل عام ألفين وسبعة عشر لقانون مركز الاستخبارات المالية في جنوب أفريقيا، وهو التعديل الذي قنّن التحول الرسمي من المنهج القائم على القواعد إلى المنهج القائم على المخاطر، وأدخل متطلبات مرنة للعناية الواجبة تجاه العملاء، ومكّن المؤسسات المالية من مواءمة تدابير الامتثال لديها وفق مستوى المخاطر المقدّر لكل عميل، وقد جاءت هذه التغييرات بقصد تشجيع مقدمي الخدمات المالية على فتح أبوابهم أمام عملاء ظلوا في السابق خارج المنظومة المالية
ثانيًا: أبرز النتائج
يُظهر التحليل الذي تقدمه الدراسة أن المنهج القائم على المخاطر يسعى إلى جعل التنظيم أفضل وأكثر جدوى من حيث التكلفة، عبر ضمان أن تكون متطلبات الضبط متناسبة مع المخاطر الفعلية، بحيث تحظى المخاطر الأعظم بالقدر الأكبر من الاهتمام والموارد، بينما تستدعي المخاطر الأدنى تدابير ضبط مبسطة لا ترهق المؤسسات ولا العملاء، وتبين الدراسة أن هذا التناسب هو جوهر الاختلاف بين المنهجين، فبدلًا من فرض الالتزامات ذاتها على جميع العملاء بصرف النظر عن مستويات مخاطرهم، يوزع المنهج القائم على المخاطر الجهود الرقابية وفق تقدير واقعي للخطر، كما يرصد التحليل أن التحول الجنوب أفريقي منح المؤسسات المالية سلطة تقديرية أوسع في تصميم إجراءات العناية الواجبة بما يناسب كل حالة، وهو ما يفتح من الناحية النظرية المجال أمام إدماج فئات اجتماعية واسعة في الخدمات المالية الرسمية
غير أن الدراسة تقف عند التساؤل الجوهري الذي يطرحه هذا التحول، وهو ما إذا كان الإطار القائم على المخاطر قد نجح فعلًا في تحقيق التوازن المطلوب بين حماية سلامة النظام المالي وتوسيع قاعدة الشمول المالي، فالمؤسسات المالية قد تميل بدافع الحذر إلى تجنب العملاء الذين تقدّر مخاطرهم بأنها مرتفعة، فيقع الاستبعاد من جديد على الفقراء والفئات الضعيفة وذوي الدخل المنخفض، وهم الفئات ذاتها التي استهدف التعديل التشريعي إدماجها، ومن هنا يفحص التحليل الممارسات العملية لمقدمي الخدمات المالية ومدى التزامهم بروح الإطار المرن لا بحرفيته
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تتجلى دلالة الدراسة في أنها تربط بين سياسات مكافحة الجرائم المالية وأهداف التنمية والشمول المالي، فتبين أن أطر الامتثال ليست محايدة اجتماعيًا، وأن تصميمها ينعكس مباشرة على قدرة الفئات الفقيرة والضعيفة على امتلاك الحسابات والوصول إلى الخدمات المالية، وتفيد نتائجها الجهات الرقابية وصانعي السياسات في ضبط العلاقة بين متطلبات السلامة المالية ومتطلبات الإدماج، عبر تدابير متدرجة تتناسب مع الخطر الفعلي لكل عميل، كما تفيد المؤسسات المالية في تطوير سياسات داخلية تمارس فيها حكمها المهني على نحو مسؤول، فلا تتحول المرونة التنظيمية إلى ذريعة للاستبعاد، ولا تتحول متطلبات الامتثال الصارمة إلى حاجز أمام الشمول، وتدعو الدراسة ضمنيًا إلى متابعة أثر هذا التحول بمؤشرات واقعية تقيس توسع الوصول الفعلي إلى الخدمات المالية
وخلاصة القول إن المنهج القائم على المخاطر يمثل تحولًا جوهريًا في فلسفة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، من الالتزام الشكلي بالقواعد الموحدة إلى إدارة واعية ومتدرجة للمخاطر الفعلية، وإن قيمته العملية تظل رهينة بقدرة المؤسسات المالية والجهات الرقابية على تحقيق التوازن الدقيق بين حماية سلامة النظام المالي وتوسيع الاستفادة من خدماته، ولا سيما لدى الفئات الفقيرة والضعيفة وذوي الدخل المنخفض الذين كان الاستبعاد نصيبهم في ظل الأطر الجامدة








