تدور مكافحة تغير المناخ على الصعيد العالمي في إطار اتفاق باريس للمناخ لعام 2015 حول مزيج هجين يجمع بين فعل الدول من الأسفل إلى الأعلى ومن الأعلى إلى الأسفل، غير أن العمل المناخي الإقليمي في أفريقيا لا يتحدد باتفاق باريس وحده، وذلك لتداخلات لا مفر منها مع الإجراءات الموجهة نحو تنظيم التجارة داخل الدول ومع التعاون متعدد الأطراف مع دول أخرى في اتفاقات التجارة الإقليمية، ومن المقرر على نطاق واسع أن هذا التقاطع بين حوكمة التجارة الإقليمية والتخفيف من تغير المناخ يعني أن اتفاقات التجارة الحرة الإقليمية، مثل اتفاق منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية لعام 2020 الذي دخل حيز النفاذ في يناير 2021، قادرة على الدفع بأهداف التخفيف المناخي إلى الأمام أو إعاقتها بحسب بنائها ومضمونها، ومع ذلك يسود غموض حول الإمكانات المحددة التي يحملها هذا الاتفاق لأهداف اتفاق باريس المناخية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
يستكشف هذا المقال القانوني كيفية تحفيز العمل المناخي تحفيزًا كافيًا عبر اتفاقات التجارة الإقليمية، متخذًا من التفاعل المستجد بين اتفاق منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية واتفاق باريس لتغير المناخ لعام 2015 ميدانًا للدراسة والتحليل، ويفحص المقال آثار حوكمة التجارة على السياسة المناخية ضمن إطار اتفاق منطقة التجارة الحرة، وكيفية انسجام تلك النتائج مع أهداف اتفاق باريس وتعزيزها لها، وينطلق التحليل من فهم العلاقات بين حوكمة التجارة وتغير المناخ ومن فرص التوافق أو التعارض بين المنظومتين، ليتتبع القنوات التي يمكن أن تتحول عبرها قواعد التجارة الإقليمية ومؤسساتها إلى روافع للعمل المناخي أو قيود عليه، وذلك في سياق أفريقي تتكامل فيه أولويات التنمية والاندماج الاقتصادي مع الالتزامات المناخية الدولية
وينطلق المقال في تحليله من مسلمة مفادها أن الصلة بين التجارة والمناخ ليست هامشية بل بنيوية، فتنظيم التجارة داخل الدولة واتفاقاتها الإقليمية يشكلان قنوات تسري عبرها آثار السياسات الاقتصادية إلى الانبعاثات وأهداف التخفيف، ومن ثم فإن أي تقييم جاد لما يحمله اتفاق منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية للمناخ ينبغي أن يتجاوز قراءة نصوص الاتفاقين منفصلين إلى فحص تفاعلهما المؤسسي والقانوني، وهو ما يضطلع به المقال بوصفه مساهمة في حقل قانوني ناشئ يدرس كيف تصبح الاتفاقات التجارية جزءًا من منظومة الحوكمة المناخية العالمية لا خصمًا لها
ثانيًا: أبرز النتائج
يتمثل إسهام هذا المقال في الأدبيات العلمية في بلورة الممارسة المتنامية المتمثلة في تحفيز العمل المناخي عبر اتفاقات التجارة الإقليمية، وذلك ضمن سياق التفاعل المستجد بين اتفاق منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية واتفاق باريس، فهو يوضح ما يجلبه اتفاق منطقة التجارة الحرة القارية لأهداف اتفاق باريس من إمكانات، ويعاين كيفية مواءمة مخرجات حوكمة التجارة مع أهداف المناخ ودفعها في اتجاهها، وبذلك ينقل النقاش من الإقرار العام بوجود تقاطع بين التجارة والمناخ إلى تحديد أدق لكيفية توظيف البنية التجارية الإقليمية في خدمة التخفيف المناخي، بما يشمل أثر قواعد السوق الموحدة والتعاون الإقليمي في تشكيل سياسات مناخية وطنية أكثر طموحًا وقابلية للتنفيذ داخل القارة الأفريقية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها تقدم لصناع السياسات والمشرعين في الدول الأفريقية إطارًا قانونيًا لفهم العلاقة بين التزاماتهم التجارية الإقليمية والتزاماتهم المناخية الدولية فهمًا تكامليًا لا تنافسيًا، فحين تدار حوكمة التجارة بوعي مناخي يمكن أن تتحول اتفاقات التجارة الحرة إلى أدوات تحفيز للتحول نحو اقتصادات منخفضة الانبعاثات، وحين تغيب هذه الرؤية قد تتحول القواعد التجارية ذاتها إلى عائق أمام الطموح المناخي، ويفتح المقال بذلك أفقًا لبحوث قانونية لاحقة تفحص تطبيقات هذا التفاعل في قطاعات ودول بعينها، وتقيم مدى تحقق المواءمة بين الاتفاقين على أرض الواقع مع تقدم تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية
كما يفيد التحليل الباحثين القانونيين بإطار قابل للنقل إلى أقاليم واتفاقات أخرى، إذ يمكن محاكاة أسئلته حول التحفيز والمواءمة والتعارض في سياقات تجارية إقليمية مختلفة حول العالم، ويظل الاختبار الأعمق ميدانيًا مع تقدم تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية، حيث ستكشف الممارسات الوطنية والإقليمية مدى تحول الإمكانات النظرية التي يرصدها المقال إلى سياسات مناخية فعلية، وسيكون للأدبيات القانونية عندئذ أن تقيم التجربة وتقترح إصلاحات تعمق الانسجام بين مسار الاندماج التجاري الأفريقي ومسار العمل المناخي العالمي المتفق عليه في باريس عام 2015
وخلاصة القول إن اتفاق منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية ليس وثيقة تجارية محايدة مناخيًا، بل إطار يحمل إمكانات حقيقية لدعم أهداف اتفاق باريس لتغير المناخ متى أُحسن توجيه حوكمة التجارة الإقليمية نحو أهداف التخفيف، وتبرز قيمة هذا التحليل القانوني في تحويله هذا الإدراك إلى مسار بحثي وعملي يربط بين الاندماج الاقتصادي الأفريقي والعمل المناخي العالمي ربطًا واعيًا ومؤسسيًا








