تحتل الأنظمة متعددة الوكلاء مكانة متنامية في نمذجة التفاعلات الاجتماعية والسلوك الجماعي، غير أن البحث في نمذجة المشاعر داخل هذه الأنظمة ما يزال محدودًا نسبيًا، إذ تركز معظم الدراسات القائمة على حالة وجدانية واحدة، وهو ما يحد من قدرة النماذج الحالية على التقاط الأنماط السلوكية المعقدة والمتغيرة التي يبديها الوكلاء في بيئات متنوعة ووصفها وصفًا وافيًا، وتنطلق هذه الدراسة من هذه الفجوة لتقترح قاعدة لتعلم الاستراتيجيات تقوم على المشاعر وسمات الشخصية معًا، وتختبرها في سياق لعبة معضلة السجين المكانية التي تعد من أبرز الأطر لدراسة نشأة التعاون بين الأفراد
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تطوير قاعدة تعلم للاستراتيجيات تجعل سلوك الوكيل في اتخاذ القرار متأثرًا أساسًا بحالته الوجدانية وخصائصه الشخصية، وفي هذا الإطار تتولد مشاعر الوكيل من العائد الذي يحصل عليه ومن تفاعلات الاستراتيجيات ومن ردود فعل الوكلاء المجاورين له في الشبكة المكانية، وأدخلت الدراسة آلية لاضمحلال المشاعر تتيح للحالات الوجدانية أن تتطور عبر الزمن، بما يمنع القرارات غير العقلانية الناتجة عن التقلبات الوجدانية قصيرة الأمد، كما استكشفت الدراسة دور سمات الشخصية في تكيف الاستراتيجيات، ولا سيما سمتا الامتثال والنشاط، واختبرت القاعدة المقترحة في لعبة معضلة السجين المكانية التي يختار فيها الوكلاء بين التعاون والانشقاق في ضوء عوائد تفاعلاتهم مع جيرانهم، مع مقارنة أداء القاعدة بقواعد تعلم أخرى للتحقق من جدواها، ويعكس هذا البناء قناعة منهجية بأن القرارات لا تنبع من حسابات عقلانية مجردة، بل تتشكل في تفاعل مستمر بين الانفعال والسمات الثابتة نسبيًا للشخصية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج التجريبية أن الوكلاء ذوي الامتثال المرتفع يميلون إلى تبني استراتيجيات جيرانهم ويشكلون عناقيد تعاونية متماسكة، في حين يسرّع الوكلاء ذوو مستويات النشاط المرتفعة انتشار الاستراتيجيات التعاونية عبر الشبكة، وبذلك تعمل السمتان معًا على ترسيخ التعاون وتوسيع نطاقه، كما أكد التحليل المقارن مع قواعد التعلم الأخرى تفوق قاعدة التعلم المقترحة القائمة على المشاعر والشخصية في تعزيز التعاون، وتشير هذه النتائج إلى أن إدماج البعد الوجداني المتطور زمنيًا مع الفروق الفردية في الشخصية يمنح النموذج قدرة أكبر على محاكاة الديناميات الواقعية للسلوك الجماعي مقارنة بالنماذج التي تقتصر على حالة وجدانية واحدة أو تهمل الشخصية كليًا، كما أن آلية اضمحلال المشاعر أسهمت في استقرار التعلم، إذ حدت من انتقال القرارات المتسرعة المبنية على انفعالات عابرة إلى استراتيجيات دائمة، وتبين كذلك أن تفاعل المشاعر مع السمات ينتج أنماطًا جماعية لا يمكن التنبؤ بها من دراسة كل عامل على حدة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفتح نتائج الدراسة آفاقًا لتطوير أنظمة وكلاء أذكى اجتماعيًا، إذ يمكن توظيف قواعد التعلم الوجدانية والشخصية في تصميم وكلاء برمجيين يتفاعلون بمرونة أكبر في بيئات المحاكاة الاجتماعية ومنصات التفاوض الآلي ودراسات انتشار التعاون في المجتمعات، كما تقدم الدراسة إطارًا قابلًا للتوسع بضم حالات وجدانية وسمات شخصية إضافية، وتدعو إلى اختبار القاعدة في ألعاب وشبكات أكثر تعقيدًا وفي سياقات تطبيقية أوسع، بما يعزز فهم كيفية نشوء السلوك التعاوني واستدامته، ويمتد أثرها النظري إلى أدبيات نظرية الألعاب التطورية التي طالما عالجت الوكلاء بوصفهم متخذي قرار متجانسين، فتضيف إليها بعدًا نفسيًا يفسر جانبًا من تباين السلوكيات المرصودة
ويوضح بناء النموذج كيف تتفاعل مكوناته عبر الزمن، فالمشاعر لا تولد من فراغ، بل تتشكل من العائد الذي يجنيه الوكيل في كل جولة ومن طبيعة تفاعلات استراتيجيته مع استراتيجيات جيرانه ومن ردود أفعالهم تجاهه، ثم ما تلبث أن تتناقص تدريجيًا بفعل آلية الاضمحلال، فلا تتحكم انفعالات لحظة واحدة في مسار التعلم كله، وفي هذا المناخ تلعب سمات الشخصية دور الموجه الثابت نسبيًا، فالوكيل مرتفع الامتثال أقرب إلى مسايرة محيطه وتبني ما يستقر لديه من استراتيجيات، بينما يدفع النشاط المرتفع صاحبه إلى نشر استراتيجيته وتوسيع دائرتها بسرعة أكبر، وحين يكون المحيط تعاونيًا يتضافر العاملان على تثبيت التعاون وتحويله إلى عناقيد مستقرة تقاوم الانشقاق، وهو ما يفسر جانبًا من تفوق القاعدة المقترحة على القواعد التي تهمل المشاعر أو الشخصية أو تعالجهما بمعزل عن تطورهما الزمني
وخلاصة القول إن بناء قاعدة تعلم تجمع بين المشاعر المتطورة زمنيًا وسمات الشخصية أثبت قدرته على تعزيز التعاون في لعبة معضلة السجين المكانية وتفوق على قواعد التعلم المقارنة، بما يرشحه أساسًا واعدًا لنمذجة سلوك الوكلاء في البيئات المعقدة








