تتناول هذه الدراسة مدى تأثير الإشراف الأسري في الكفاءة الرقمية لدى أطفال المرحلة الابتدائية في استخدام تقنيات المعلومات والاتصالات، وتنطلق من ملاحظة أن الدراسات التي تناولت هذا المستوى التعليمي ما زالت محدودة رغم أن الكفاءة الرقمية التي يكتسبها التلميذ في سنواته الأولى ترسم ملامح تعامله اللاحق مع البيئة الرقمية في دراسته وحياته، فحين ينتقل الطفل إلى المراحل التالية يكون قد كوّن عادات واتجاهات يصعب تعديلها لاحقًا، ومن هنا تبرز الحاجة إلى فهم العوامل الأسرية المصاحبة لتشكل هذه الكفاءة منذ البداية، وفي مقدمتها طبيعة الإشراف الذي تمارسه الأسرة على استخدام أبنائها للأجهزة والتطبيقات والشبكات، وما إذا كان هذا الإشراف عاملًا داعمًا لبناء كفاءة رقمية متوازنة أم أنه لا يترك أثرًا يذكر في مستواها
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تقويم مستوى الكفاءة الرقمية لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية وفحص ارتباطها بمتغير الإشراف الأسري، واعتمدت المنهج الكمي القائم على الدراسة المسحية، وطُبقت على عينة بلغت ثلاثمئة وتسعة وسبعين تلميذًا وتلميذة من إحدى عشرة مدرسة في إقليم الأندلس بإسبانيا، وقِيست الكفاءة الرقمية وفق المجالات الخمسة التي يحددها الإطار الأوروبي للكفاءة الرقمية المعروف بديج كومب، وهي مجال المعلومات، ومجال التواصل، ومجال إنشاء المحتوى، ومجال السلامة، ومجال حل المشكلات، بما يتيح صورة شاملة لقدرات التلميذ في البحث عن المحتوى الرقمي والتعامل معه وإنتاجه والتفاعل الآمن من خلاله، ثم أُجريت التحليلات الوصفية والاستدلالية المناسبة لطبيعة البيانات، ومنها تحليل التباين للكشف عن الفروق بين المجموعات بحسب مستويات الإشراف الأسري واتجاهاتها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن مستوى الكفاءة الرقمية لدى التلاميذ جاء مرضيًا في مجمله عبر المجالات الخمسة المقيسة، بما يشير إلى أن أطفال المرحلة الابتدائية يمتلكون قدرًا مقبولًا من المهارات الأساسية في استخدام تقنيات المعلومات والاتصالات، غير أن الصورة لم تكن واحدة عند تفكيكها بحسب متغير الإشراف الأسري، إذ كشف تحليل التباين عن فروق ذات دلالة إحصائية تعود إلى هذا المتغير، بما يعني أن التلاميذ الذين يحظون بإشراف أسري أوضح وأنشط يختلف مستواهم الرقمي عن أقرانهم ممن يقل لديهم هذا الإشراف أو ينعدم، وتتسق هذه النتيجة مع طبيعة المرحلة العمرية التي يكون فيها الطفل في طور بناء عاداته الرقمية الأولى، فيغدو توجيه الأسرة ومتابعتها، وما تتيحه من فرص منظمة للاستخدام وما تضعه من ضوابط وحدود، عاملًا مميزًا بين تلميذ وآخر في مستوى ما يكتسبه من كفاءة
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تؤكد دلالات الدراسة ضرورة التعامل الواعي مع الفرص التي تتيحها الموارد التقنية التي يوفرها المجتمع الشبكي المتصل ومع القيود والحدود التي تفرضها في الوقت نفسه، سواء في السياق الأسري أو في السياق المؤسسي المدرسي، فالإشراف الأسري ليس رقابة مقيدة بقدر ما هو مشاركة وتوجيه يساعدان الطفل على توظيف التقنية في التعلم والتواصل الآمن وحل المشكلات، ويقع على المدرسة من جانبها دور مكمّل يتمثل في بناء برامج لتنمية الكفاءة الرقمية منذ المراحل الأولى ومد الجسور مع الأسر لتوحيد الرسائل التربوية حول الاستخدام الرشيد، وفي سياق أوسع تساعد هذه النتائج على فهم أثر الإشراف الأسري في تنمية الكفاءة الرقمية لدى تلاميذ التعليم الابتدائي، وتفتح الباب أمام دراسات لاحقة تتتبع هذا الأثر عبر مراحل تعليمية متعاقبة وبأدوات قياس متنوعة
وتنسجم هذه النتائج مع ما تفرضه طبيعة العصر الرقمي من حضور مبكر للتقنية في حياة الأطفال، إذ لم يعد السؤال ما إذا كان الطفل سيستخدم تقنيات المعلومات والاتصالات أم لا، بل كيف يستخدمها وبأي مستوى من الكفاءة والأمان، وهنا يتجلى الإشراف الأسري بوصفه متغيرًا قابلًا للتدخل والتطوير خلافًا لعوامل أخرى يصعب تغييرها، فبإمكان برامج توعية الأسر أن ترتقي بممارسات الإشراف من المنع والحظر إلى المرافقة الواعية والحوار حول المحتوى والوقت والغرض، كما بإمكان المدارس أن تستثمر قياس الكفاءة الرقمية بمجالاتها الخمسة في تشخيص حاجات تلاميذها مبكرًا وبناء أنشطة تعليمية تستهدف المجالات الأضعف، وبذلك تتحول نتيجة الدراسة من وصف لمستوى قائم إلى خريطة عمل مشتركة بين الأسرة والمدرسة لصالح التلميذ
وخلاصة القول إن الكفاءة الرقمية لدى أطفال المرحلة الابتدائية تتشكل داخل الأسرة قبل أن تصقلها المدرسة، وإن الإشراف الأسري الواعي يمثل رافدًا أساسيًا لهذه الكفاءة عبر مجالاتها الخمسة، وهو ما يدعو الأسر والمؤسسات التعليمية إلى التعامل مع التقنية بوصفها مجالًا تربويًا مشتركًا يستحق التخطيط المبكر والمتابعة المستمرة لا الانتظار حتى تتثبت العادات الرقمية لدى الأبناء








