طالما انشغل جغرافيو الاقتصاد واقتصاديو الصناعة وباحثو الابتكار ببحث أثر العوامل الخارجية للتكتل في الابتكار، وخرجوا بنتائج متعارضة في كثير من الأحيان، فبينما تؤكد دراسات أهمية تجمع الأنشطة الاقتصادية في مكان واحد لتحفيز الابتكار، تقلل دراسات أخرى من هذا الأثر أو تشترطه بعوامل مصاحبة، وترى هذه الدراسة أن التركيز على تحديد أي عامل من عوامل التكتل هو الأكثر تأثيرًا في الابتكار ليس هو الطريق الأمثل، بل ينبغي التعمق في فهم كيفية تأثير عوامل التكتل الخارجية في الابتكار وآلياته، وانطلاقًا من مفهوم النظم الوطنية للابتكار تفحص الدراسة دور التنوع الصناعي والمنافسة المحلية بوصفهما عاملين مشروطين يؤثران في العلاقة بين مدخلات الابتكار الوطنية ومخرجاته
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى اختبار الدور المشروط للتنوع الصناعي والمنافسة المحلية في العلاقة بين مدخلات الابتكار ومخرجاته على المستوى الوطني، ولتحقيق ذلك اعتمدت على بيانات ثانوية تخص ستًا وثمانين دولة، وبنيت نماذج تفاعل تتيح قياس كيفية تغير أثر مدخلات الابتكار في مخرجاته بتغير مستويات التنوع الصناعي والمنافسة المحلية، كما فحصت الدراسة أثر المؤسسات ورأس المال البشري والبحث في مخرجات الابتكار في ظل مستويات مختلفة من هذين العاملين المشروطين، ويمنح هذا التصميم الدراسة قدرة على تجاوز الأوصاف العامة لأثر التكتل إلى تحديد الشروط التي يقوى في ظلها هذا الأثر أو يضعف، وهو ما يلبي حاجة الأدبيات إلى فهم أدق لطبيعة العلاقة بين بيئة الابتكار الوطنية ونتائجها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج الدراسة أن التنوع الصناعي يؤثر تأثيرًا إيجابيًا في العلاقة بين مدخلات الابتكار ومخرجاته، وأن هذه العلاقة تزداد قوة عند المستويات الأعلى من التنوع والمنافسة معًا، كما بينت النتائج أن الآثار الإيجابية للمؤسسات في مخرجات الابتكار تزداد مع ارتفاع التنوع الصناعي ووجود منافسة محلية متوسطة إلى مرتفعة، وبالمثل فإن الأثر الحدي الإيجابي لرأس المال البشري والبحث في مخرجات الابتكار يتعزز بزيادة التنوع الصناعي، وإن كان مستوى المنافسة المتوسط المنخفض قد يقوض هذا الأثر في بعض الحالات، وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن مدخلات الابتكار لا تعمل في فراغ، بل يتوقف عائدها على بنية الاقتصاد الوطني من حيث تنوع صناعاته وحدة المنافسة في أسواقه المحلية، وهو ما يفسر جانبًا من تعارض نتائج الدراسات السابقة التي أهملت هذه الشروط السياقية في تقديراتها
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تسهم هذه الدراسة في الجدل الدائر حول عوامل التكتل الخارجية وفي أدبيات النظم الوطنية للابتكار، إذ تسلط الضوء على دور التنوع الصناعي والمنافسة في تشكيل نتائج الابتكار الوطنية، وتنطوي نتائجها على دلالات مهمة لصانعي السياسات، فالاستثمار في مدخلات الابتكار من مؤسسات ورأس مال بشري وبحث علمي قد لا يحقق عائده المنشود ما لم يصاحبه تنوع في القاعدة الصناعية وبيئة تنافسية محلية نشطة، كما أن مستوى المنافسة المنخفض إلى المتوسط قد يضعف أثر رأس المال البشري والبحث، وهو ما يستدعي موازنة دقيقة بين سياسات تشجيع التنوع الصناعي وسياسات تنشيط المنافسة عند تصميم استراتيجيات الابتكار الوطنية
وتبرز أهمية هذه النتائج للدول النامية والاقتصادات الصاعدة التي تستثمر بكثافة في مدخلات الابتكار أملًا في اللحاق بركب الاقتصادات المتقدمة، إذ تحذرها الدراسة من افتراض أن ضخ الموارد وحده يكفي، فغياب التنوع الصناعي أو ضعف المنافسة المحلية قد يبدد جانبًا كبيرًا من عائد تلك الاستثمارات، كما تفيد النتائج الباحثين في إعادة قراءة الأدبيات المتعارضة حول أثر التكتل، إذ يبدو أن جزءًا من ذلك التعارض يعود إلى إغفال الشروط السياقية التي تعمل في ظلها عوامل التكتل، ومن ثم تدعو الدراسة ضمنيًا إلى جيل جديد من البحوث يختبر نماذج التفاعل هذه عبر فترات زمنية أطول وقطاعات صناعية محددة، بما يقرب الفهم النظري من واقع السياسات الصناعية وسياسات المنافسة التي تتبناها الدول فعليًا في سعيها لبناء اقتصادات معرفية تنافسية، وتدعو الدراسة الباحثين إلى اختبار هذه العلاقات المشروطة ببيانات أحدث وبمنهجيات تجمع بين التحليل الكمي والدراسات القطاعية المتعمقة لقطاعات صناعية بعينها
وخلاصة القول إن الابتكار الوطني ثمرة تفاعل بين مدخلاته وبنية اقتصاده، فكلما تنوعت الصناعات واشتدت المنافسة المحلية ضمن حدود مناسبة، تحولت الاستثمارات في المؤسسات والبشر والبحث إلى مخرجات ابتكارية أغزر وأكثر استدامة، وهو درس جوهري للدول الساعية إلى الارتقاء بمراتبها في مؤشرات الابتكار العالمية








