يتخذ المديرون في المنظمات قرارات مصيرية يتوقف على سلامتها نجاح المنظمات أو إخفاقها، غير أن قدرات المديرين محدودة بطبيعتها، وقد يتأثرون بجملة من الانحيازات المعرفية التي تفضي إلى أخطاء في أحكامهم وحلولهم، وقد تنبهت الأدبيات الإدارية إلى خطورة هذه الانحيازات بوصفها من أبرز مصادر الخلل في القرارات الإدارية، غير أن معالجتها ظلت مجزأة تتناول كل انحياز على حدة دون نظرة متكاملة تجمعها في إطار واحد، ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة التي سعت إلى حصر الانحيازات المؤثرة في قرارات المديرين حصرًا شاملًا، واقترحت أسلوب اتخاذ القرار الجماعي حلًا عمليًا للحد منها، لما يتميز به من سهولة التطبيق وانخفاض الكلفة وقدرة على تجنيب المنظمات كثيرًا من الأضرار والأخطاء
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى تحديد الانحيازات المعرفية المؤثرة في اتخاذ المديرين لقراراتهم وشرحها شرحًا متكاملًا، ثم اختبار مدى قدرة أسلوب اتخاذ القرار الجماعي على الحد من هذه الانحيازات، ولتحقيق ذلك حددت الدراسة ثلاثة وأربعين انحيازًا معرفيًا يتصل بقرارات المديرين وقدمت شرحًا لكل منها، ثم طبقت استبانة مسحية على مئة واثنين وخمسين مديرًا من مديري المنظمات الحكومية الإيرانية بمستويات إدارية مختلفة ممن لديهم معرفة بأسلوب اتخاذ القرار الجماعي، وحللت البيانات باستخدام الإحصاءات أحادية العينة واختبارات تي للوقوف على دلالة النتائج إحصائيًا، وقد أتاح هذا التصميم الجمع بين الشمول النظري في حصر الانحيازات والاختبار الميداني لأثر الحل المقترح، وتنبع أهمية هذا الهدف من أن اتخاذ القرار الجماعي أسلوب سهل التطبيق وغير مكلف، فإذا ثبتت فعاليته أمكن للمنظمات اعتماده على نطاق واسع دون أعباء إضافية كبيرة، كما أن حصر الانحيازات في قائمة واحدة متكاملة يمنح المديرين والممارسين خريطة واضحة للمخاطر المعرفية التي قد تتسلل إلى قراراتهم في مراحل الحكم والتفضيل وإصدار القرار
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج الدراسة أن اتخاذ القرار الجماعي قادر على الحد من أربعين انحيازًا من الانحيازات الثلاثة والأربعين المحددة، موزعة على الأقسام الثلاثة المتصلة بالحكم والتفضيل ونتائج القرار، وهو ما يشير إلى فعالية واسعة لهذا الأسلوب عبر مراحل عملية اتخاذ القرار المختلفة، غير أن النتائج أظهرت أيضًا حدودًا لهذه الفعالية، فقد كان انحياز المعلومات المشتركة هو الانحياز الوحيد الذي لم يتراجع بتأثير القرار الجماعي، إذ ظل أعضاء الجماعة يميلون إلى التركيز على المعلومات المشتركة بينهم دون المعلومات الفريدة التي يمتلكها كل منهم، كما لم يتسن للدراسة الجزم بأثر الأسلوب في انحيازين آخرين هما سلوك القطيع وأثر الانضمام إلى الركب، وبذلك ترسم النتائج صورة متوازنة لفعالية القرار الجماعي تجمع بين اتساع أثره ووجود استثناءات محددة تستحق الانتباه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي الدراسة على دلالات نظرية وتطبيقية مهمة، فعلى المستوى النظري تقدم إسهامًا في التعرف الشامل إلى كل الانحيازات التي قد تؤثر في قرارات المدير على نحو متكامل، بما يثري الأدبيات المتنامية في هذا الموضوع ويدفعها إلى الأمام، وعلى المستوى التطبيقي تقدم أسلوب اتخاذ القرار الجماعي بوصفه أسلوبًا فعالًا للحد من الانحيازات المحتملة في قرارات المديرين، وهو أسلوب يتميز بسهولة التطبيق وانخفاض الكلفة، الأمر الذي يجعله خيارًا عمليًا للمنظمات الساعية إلى تحسين جودة قراراتها وتجنيب نفسها أضرارًا وأخطاء كان يمكن تفاديها، كما تنبه النتائج صانعي القرار إلى أن اللجوء إلى الجماعة وحده لا يكفي لمعالجة بعض الانحيازات كالمعلومات المشتركة، بما يستدعي إجراءات مكملة في إدارة نقاشات الجماعة وتوزيع المعلومات داخلها
ويمكن للمنظمات أن تستثمر هذه النتائج في إعادة تصميم عمليات اتخاذ القرار لديها، بحيث تصبح الاجتماعات الجماعية آلية مقصودة لمراجعة الافتراضات الضمنية وتبادل المعلومات الفريدة بين الأعضاء، لا مجرد إجراء شكلي لاعتماد قرارات معدة سلفًا، كما أن قائمة الانحيازات الثلاثة والأربعين التي حددتها الدراسة تصلح أداة تشخيصية يراجع المديرون في ضوئها قراراتهم الكبرى قبل اعتمادها، وتبقى معالجة انحياز المعلومات المشتركة تحديًا يستدعي تقنيات إضافية مثل تشجيع الأعضاء على عرض ما ينفردون به من معلومات قبل النقاش المفتوح، وهي جوانب تفتح الباب أمام دراسات تجريبية لاحقة تختبر فعالية هذه الإجراءات التكميلية في سياقات تنظيمية مختلفة
وخلاصة القول إن جمع ثلاثة وأربعين انحيازًا معرفيًا في إطار واحد واختبار قدرة القرار الجماعي على الحد منها يمنح المديرين أداة عملية مجربة لتقويم قراراتهم، مع بقاء انحيازات قليلة عصية تستدعي وعيًا خاصًا عند تصميم عمليات اتخاذ القرار الجماعي وإدارتها








