تتشكل صورة الوجهة السياحية في أذهان الجمهور عبر مصادر متعددة لا تنطق بصوت واحد، فثمة محتوى تنتجه الصحافة ووسائل الإعلام، ومحتوى ينتجه السياح أنفسهم من وحي تجاربهم الفعلية، ومحتوى رسمي تصدره الجهات المسؤولة عن الترويج للوجهة، وقد تتقارب هذه السرديات أو تتباعد إلى حد التنافر الذي يربك قرارات الزائر المحتمل ويضعف فعالية الجهود الترويجية، ومن هنا تنبع أهمية قياس هذا التنافر رصدًا دقيقًا عبر أبعاده المختلفة لا الاكتفاء بانطباعات عامة عنه، وفي هذا السياق تأتي هذه الدراسة لتفحص صورة مدينة سانيا السياحية في الصين، وهي وجهة ساحلية بارزة، عبر الأنواع الثلاثة من المحتوى، ممتدة على عقد كامل شهد تحولات عادية وأزمة صحية عالمية غير مسبوقة أثرت في السياحة تأثيرًا عميقًا
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى قياس التباينات في صورة سانيا السياحية كما تظهر في المحتوى الذي تنتجه الصحافة والمحتوى الذي ينتجه السياح والمحتوى الرسمي، وذلك عبر ثلاثة أبعاد رئيسة هي البعد المعرفي المتصل بما يعرفه الجمهور عن الوجهة وعناصرها، والبعد المكاني المتصل بالأماكن والمواقع التي يركز عليها كل نوع من المحتوى، والبعد الوجداني المتصل بالمشاعر والانفعالات المصاحبة لتلك الصورة، واعتمدت الدراسة تحليل البيانات التركيبية منهجًا لمعالجة هذا النوع من البيانات، مستخدمة مسافة أيتشيسون مقياسًا كميًا لدرجة التباعد بين السرديات المختلفة، وغطت البيانات المدة من عام 2013 إلى عام 2022، مع مقارنة منهجية بين مرحلتين رئيستين هما مرحلة ما قبل الجائحة الممتدة من عام 2013 إلى عام 2019، ومرحلة تأثير الجائحة الممتدة من عام 2020 إلى عام 2022، بما يتيح رصد ما إذا كانت الأزمة الصحية قد عمقت الفجوات بين السرد المؤسسي وسرد التجربة الفعلية أم ضيقتها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج وجود اتساق معرفي بين الأنواع الثلاثة حول محورية السياحة والفنادق في صورة سانيا، غير أن محتوى السياح ركز بصورة لافتة على ثنائية الساحل والطعام بوصفهما جوهر التجربة، في حين ركز المحتوى الصحفي والرسمي على عناصر السياسات والخطط المؤسسية، وكشفت النتائج كذلك عن اختلال مكاني واضح بين الأماكن التي تدفعها السياسات وتروج لها الجهات الرسمية والأماكن التي يفضلها السياح فعلًا ويقصدونها، بما يدل على تنافر منهجي بين الترويج المؤسسي والممارسات القائمة على الأرض، وعلى الصعيد الوجداني هيمنت مشاعر المتعة والرومانسية على الصورة العامة، لكن محتوى السياح عبر عن احتياجات غير ملباة، بينما مال المحتوى الرسمي إلى كبت الجوانب السلبية وإخفائها، وأكد القياس الكمي هذا التباعد إذ قفزت مسافة أيتشيسون المقيسة للتباعد بين السرديات من 19.574 في مرحلة ما قبل الجائحة إلى 40.648 في مرحلة الجائحة، بما يثبت أن الفجوات البنيوية بين نظامي السرد تتسع وتتعمق في زمن الأزمات الصحية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تكمن دلالة هذه النتائج في أنها تحول الحديث عن التباين بين الصورة الرسمية والصورة الواقعية من انطباع عام إلى ظاهرة مقيسة كميًا قابلة للتتبع عبر الزمن، وهي تنبه مديري الوجهات السياحية إلى أن الترويج المؤسسي مهما بلغت حرفيته يظل محدود الأثر إذا لم يلامس التجربة الفعلية التي يعيشها السائح ويرويها بنفسه، كما تبين أن الأزمات لا تخلق الفجوات السردية بقدر ما تكشفها وتفاقمها، ومن ثم اقترحت الدراسة استراتيجيات موجهة لتضييق هذه التباينات السردية، منها مواءمة الرسائل الرسمية مع أولويات السياح الفعلية كالساحل والطعام، ومعالجة الاحتياجات غير الملباة التي يعبر عنها محتواهم بدلًا من تجاهلها، وإظهار قدر أكبر من الشفافية تجاه الجوانب السلبية، وتوظيف تحليل البيانات التركيبية أداة رصد دورية لقياس اتساع الفجوة أو انكماشها، ويفتح هذا المنهج بابًا لتطبيقه على وجهات سياحية أخرى ومقارنة أنماط التنافر عبر الثقافات والأسواق المختلفة
ويمتد نفع هذا التحليل إلى وكالات التسويق السياحي ومنصات الحجز التي تبني رسائلها على صور الوجهات، إذ تستطيع مقارنة ما تروجه بما يتداوله السياح فعلًا وتعديل خطابها على أساس أدلة لا انطباعات، كما يمكن تكرار القياس دوريًا لرصد أثر الحملات التصحيحية في تقليص التنافر عبر الزمن وعبر المواسم السياحية المتعاقبة، بما يحول إدارة صورة الوجهة إلى عملية قياس مستمرة تستبق اتساع الفجوات قبل أن تتحول إلى أزمة سمعة يصعب احتواؤها
وخلاصة القول إن صورة الوجهة السياحية ليست نتاج جهة واحدة بل حصيلة تفاعل سرديات متعددة قد تتناغم أو تتنافر، وإن قياس هذا التنافر بأدوات كمية دقيقة يمنح صانع القرار السياحي بصيرة أعمق بمواضع الخلل بين ما يُروَّج وما يُعاش، ويجعل إدارة الصورة عملية مستمرة قائمة على الرصد والمعالجة لا على الحملات المتقطعة








