أعاد التعلم عن بُعد تشكيل تجربة التعليم العالي، وأصبحت مرونته في المحتوى والتواصل مع المعلم والزمن سمة مركزية يتوقعها الطلاب ويقيمون بها جودة تجربتهم، غير أن العلاقة بين هذه المرونة واندماج الطلاب في التعلم بأبعاده المعرفية والوجدانية والسلوكية تحتاج إلى فحص تجريبي دقيق يميز بين أبعاد المرونة وأبعاد الاندماج كل على حدة، وتأتي هذه الدراسة لفحص ما إذا كانت المرونة في التعليم عن بُعد ترتبط إيجابيًا باندماج الطلاب، في سياق جامعي تركي يجمع كليات ومدارس مهنية متعددة
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقة المحتملة بين المرونة، بأبعادها المتمثلة في مرونة المحتوى ومرونة التواصل مع المعلم ومرونة الزمن، واندماج الطلاب، بأبعاده المعرفي والوجداني والسلوكي، في التعلم عن بُعد في التعليم العالي، واعتمدت منهجًا كميًا لاختبار فرض الدراسة القائل بأن مرونة التعليم عن بُعد ترتبط إيجابيًا باندماج الطلاب، وشارك في الدراسة 164 طالبًا من طلاب التعلم عن بُعد الملتحقين بدروس عبر الإنترنت في كليتين وأربع مدارس مهنية عليا في جامعة حكومية في تركيا خلال الفصل الخريفي من العام الجامعي 2023 إلى 2024، وأكمل المشاركون مسحًا إلكترونيًا يقيس مستويات اندماجهم المعرفي والوجداني والسلوكي ودرجة مرونة المحتوى والتواصل مع المعلم والزمن في تعليمهم عن بُعد
ويميز تصميم الدراسة بين أبعاد المرونة الثلاثة وأبعاد الاندماج الثلاثة تمييزًا تحليليًا دقيقًا، بدل التعامل مع كل منهما درجة كلية واحدة، فهذا التفكيك هو ما أتاح اكتشاف أن العلاقات ليست شاملة متبادلة بل انتقائية، وقد استند القياس إلى مسح إلكتروني وزع على طلاب يدرسون فعليًا عن بُعد في برامج متنوعة بين كليات ومدارس مهنية، بما يجعل أحكامهم صادرة عن خبرة معيشة بالتعلم عن بُعد لا عن تصورات افتراضية، وتمنح هذه الواقعية النتائج قابلية أعلى للترجمة إلى قرارات تصميمية داخل الجامعات
ثانيًا: أبرز النتائج
كشفت النتائج أن مرونة التواصل مع المعلم ارتبطت ارتباطًا دالًا بالاندماج السلوكي للطلاب، وأن مرونة المحتوى ارتبطت إيجابيًا بالاندماج المعرفي، وأن مرونة الزمن ارتبطت ارتباطًا دالًا بكل من الاندماج السلوكي والاندماج المعرفي معًا، وخلصت الدراسة إلى وجود علاقة إيجابية بين المرونة واندماج الطلاب في التعليم عن بُعد، غير أن هذه العلاقة ليست عامة متماثلة، فكل بعد من أبعاد المرونة يغذي بعدًا بعينه من أبعاد الاندماج، وهو تمييز مهم لأنه يعني أن تصميم المرونة ينبغي أن يكون هادفًا بحسب نوع الاندماج المطلوب تعزيزه، فمن يريد رفع المشاركة السلوكية الظاهرة لدى الطلاب يعتني بمرونة التواصل مع المعلم ومرونة الزمن، ومن يريد تعميق الاندماج المعرفي يعتني بمرونة المحتوى وأزمنة الوصول إليه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تنطوي النتائج على دلالات مباشرة لمصممي مقررات التعلم عن بُعد وأعضاء هيئة التدريس وإدارات الجامعات، إذ تشير إلى أن الاستثمار في مرونة التواصل مع المعلم، كتنويع قنوات التواصل وسرعة الاستجابة وإتاحة ساعات تواصل مرنة، ينعكس على اندماج الطلاب السلوكي ومشاركتهم الفعلية، وأن إتاحة المحتوى بصور مرنة قابلة للوصول والتنقل تعزز الاندماج المعرفي والاستغراق الذهني في التعلم، وأن مرونة الزمن رافعة مشتركة للأبعاد السلوكية والمعرفية معًا، كما تفيد النتائج مخططي الجودة في التعليم العالي بأن تقويم برامج التعلم عن بُعد ينبغي أن يقيس المرونة والاندماج بأبعادهما التفصيلية لا بدرجات كلية مختزلة، حتى تظهر مواضع القوة والضعف بدقة
وتتفرع عن النتائج أسئلة بحثية لاحقة جديرة بالمتابعة، منها ما إذا كانت العلاقات المرصودة تصمد عند الانتقال من الارتباط المقطعي إلى التتبع الطولي، وما إذا كانت أبعاد الاندماج الوجداني، التي لم تبرز روابطها في هذه الدراسة، تستجيب لعوامل أخرى كالانتماء المجتمعي والتفاعل بين الأقران، كما يمكن أن تختبر بحوث مقبلة النموذج في تخصصات وبلدان مختلفة وفي برامج هجينة تجمع الحضور والتعلم عن بُعد، بما يبني تراكمًا معرفيًا حول هندسة المرونة في التعليم الجامعي بدل الاكتفاء بدراسات سياقية منفردة
وبذلك تتحول المرونة من خاصية تقنية في منصة التعلم إلى قرار تربوي واع يوزع بحسب الغاية، فلكل بعد منها وظيفة اندماجية محددة، ومن يخلط بينها يفقد دقة التصميم وعدالة التقويم معًا
وخلاصة القول إن مرونة التعلم عن بُعد في المحتوى والتواصل والزمن ترتبط إيجابيًا باندماج طلاب التعليم العالي، ارتباطًا متمايزًا بحسب الأبعاد، وإن الجامعات التي تصمم مرونتها بوعي بحسب نوع الاندماج المستهدف تبني تجربة تعلم عن بُعد أكثر حيوية وبقاء لدى طلابها








