شهدت السنوات الأخيرة انتشارًا متسارعًا لروبوتات الخدمة في قطاعات متعددة، إذ أخذت تحل تدريجيًا محل العمالة اليدوية التقليدية في أعمال كثيرة، وقد تسارع هذا التحول في الصين بفعل التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، حتى غدا دمج التعاون بين الإنسان والروبوت في قطاع الفنادق ظاهرة متنامية تستهدف رفع الإنتاجية وتحسين جودة الخدمة المقدمة للنزلاء، غير أن هذا التحول لم يمر دون آثار نفسية ومهنية على العاملين، إذ أثار لدى كثير من موظفي الفنادق تصورات سلبية ومشاعر قلق تجاه مكانتهم ودورهم المستقبلي، ومن هنا تنبع أهمية دراسة أثر نمط العمل القائم على التعاون بين الإنسان والروبوت في رفاه الموظفين في العمل، مقارنة بنمط العمل التقليدي القائم على التعاون بين الإنسان والإنسان
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف كيفية تأثير نمطي العمل، وهما التعاون بين الإنسان والروبوت والتعاون بين الإنسان والإنسان، في رفاه موظفي الفنادق في العمل، وقد تحقق ذلك عبر دراستين ميدانيتين متكاملتين، إذ شملت الدراسة الأولى 106 من طلاب السنة الثالثة في إحدى الكليات المهنية ممن كانوا يتدربون في فندق تابع لسلسلة فنادق في الصين، بينما شملت الدراسة الثانية 342 موظفًا من موظفي الخطوط الأمامية العاملين في ستة فنادق بمدينة تشنغدو الصينية، واعتمدت الدراسة على تحليل التباين الأحادي للمقارنة بين نمطي العمل، كما وظفت الدراسة الثانية برنامجي أموس وإس بي إس إس بروسيس لتحليل أدوار الوساطة التي تؤديها الصداقة في مكان العمل والشعور بالوحدة في مكان العمل في العلاقة بين نمط العمل والرفاه، فضلًا عن اختبار الدور المعدل لجودة التفاعل بين الموظف والعميل في تلك العلاقات
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج تحليل التباين الأحادي في الدراستين معًا أن التعاون بين الإنسان والروبوت يرتبط بمستوى أدنى من الرفاه في العمل مقارنة بالتعاون بين الإنسان والإنسان، وذلك لدى المتدربين والموظفين ذوي الخبرة على حد سواء، كما بينت نتائج الدراسة الثانية أن الصداقة في مكان العمل والشعور بالوحدة في مكان العمل يتوسطان العلاقة بين نمط العمل والرفاه في العمل، إذ يؤدي العمل مع الروبوتات إلى إضعاف الروابط الاجتماعية بين الزملاء وزيادة الإحساس بالوحدة المهنية، وهو ما ينعكس سلبًا في مستوى الرفاه، وأظهرت النتائج كذلك أن جودة التفاعل بين الموظف والعميل حين تكون مرتفعة فإنها تضعف العلاقة بين الصداقة في مكان العمل والشعور بالوحدة فيه، بما يعني أن التفاعل الإنساني الجيد مع النزلاء قد يخفف من بعض الآثار الاجتماعية السلبية للعمل إلى جوار الروبوتات
ويكتسب تقارب نتائج الدراستين أهمية خاصة، إذ شملت الأولى متدربين في بداية حياتهم المهنية وشملت الثانية موظفين فعليين ذوي خبرة في الخطوط الأمامية، فجاء تأثر الرفاه بنمط العمل مع الروبوت ثابتًا عبر المرحلتين المهنيتين، بما يوحي بأن الأثر ليس ظاهرة عابرة لدى الوافدين الجدد إلى المهنة بل يمتد إلى الموظفين المتمرسين أيضًا، كما أن توسط الصداقة والوحدة في العمل للعلاقة يسلط الضوء على الآلية الاجتماعية التي ينتقل عبرها أثر التقنية إلى الحالة النفسية للموظف، فالروبوت لا ينافس الموظف على مهامه فحسب بل يعيد تشكيل شبكة علاقاته اليومية مع زملائه وعملائه
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تثري هذه الدراسة الأدبيات العلمية المتعلقة بالآثار السلبية لتوظيف روبوتات الخدمة من منظور الموظفين أنفسهم، وهو منظور ظل أقل حضورًا من منظور النزلاء والإدارة في البحوث السابقة، كما تقدم للمديرين في قطاع الفنادق فهمًا أعمق لتصورات موظفيهم ومشاعرهم أثناء مراحل دمج الروبوتات في بيئة العمل، بما يساعدهم على تحسين رفاه الموظفين أثناء التعاون بين الإنسان والروبوت، وتشير دلالاتها التطبيقية إلى أهمية الحفاظ على فرص التفاعل الاجتماعي بين الزملاء، وتعزيز الصداقات المهنية، والارتقاء بجودة التفاعل بين الموظف والعميل، بوصفها آليات عملية للحد من الشعور بالوحدة المهنية وحماية الرفاه النفسي للعاملين في الفنادق التي تعتمد التقنيات الذكية
وعلى مستوى الممارسة، يستطيع مديرو الفنادق أن يوظفوا هذه النتائج في تخطيط إدخال الروبوتات تدريجيًا وبمشاركة الموظفين، وفي تصميم مهام مشتركة تحفظ التفاعل البشري بين الزملاء ولا تستبدله كليًا بالتفاعل مع الآلات، كما يمكنهم الاستثمار في تدريب الموظفين على التفاعل الإيجابي مع النزلاء ورفع جودته، بعدما تبين أن هذا التفاعل الجيد يخفف من الشعور بالوحدة المرتبط بضعف الصداقة في العمل
وخلاصة القول إن إدخال روبوتات الخدمة إلى الفنادق وإن كان يرفع الإنتاجية وجودة الخدمة، فإنه قد ينال من رفاه الموظفين إذا أضعف روابطهم الاجتماعية وزاد شعورهم بالوحدة في العمل، وهو ما يستدعي إدارة واعية للتحول التقني تراعي البعد الإنساني وتوازن بين مكاسب الأتمتة وحاجات العاملين النفسية والاجتماعية في بيئة العمل








