تجتاح بيئات العمل المعاصرة موجات متلاحقة من الرقمنة وتقنيات الثورة الصناعية الرابعة، وتفرض التقنيات الجديدة نفسها على المؤسسات والموظفين بوتيرة متسارعة لا تنتظر المترددين، غير أن امتلاك التقنية شيء وقبول العاملين لها واستخدامهم الفعلي لها شيء آخر، فالقبول يظل عاملًا حاسمًا يحدد ما إذا كانت الاستثمارات التقنية ستثمر أم ستتعثر عند مقاومة المستخدمين وفتورهم، وقد طورت الأدبيات نماذج نظرية لتفسير هذا القبول في مقدمتها نموذج قبول التقنية ونموذج قبول الذكاء الاصطناعي، ولكل نموذج متغيراته وافتراضاته حول ما يدفع الموظف إلى تبني نظام جديد أو النفور منه، وتتناول هذه الدراسة العوامل الفردية التي تشكل قبول التقنيات الجديدة في بيئة العمل، من قابلية للتكيف وثقة بالتقنية وانفتاح على التجريب واستعداد له، سعيًا إلى نموذج أقدر على تفسير نية الاستخدام الفعلية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص ما إذا كانت القابلية الفردية للتكيف، والثقة بالتقنية، والانفتاح والاستعداد للتجريب، تؤثر في قبول التقنيات الجديدة في بيئة العمل، مستندة إلى نموذج قبول التقنية ونموذج قبول الذكاء الاصطناعي إطارين نظريين مكملين يجمعان بين متغيرات النموذج الكلاسيكي كسهولة الاستخدام المدركة وبين سوابق مستمدة من نموذج قبول الذكاء الاصطناعي، واعتمدت الدراسة أسلوب الاستبانة عبر الإنترنت لجمع البيانات من عينة بلغت 769 مشاركًا، بلغ المتوسط الحسابي لأعمارهم 51.25 سنة بانحراف معياري قدره 13.88، وتضمنت العينة 390 امرأة، واختبرت الدراسة النموذج المستمد نظريًا باستخدام نمذجة المعادلات البنائية للتحقق من مسارات التأثير بين المتغيرات ومدى تفسيرها لنية استخدام التقنيات الجديدة في محيط العمل الرقمي المتغير
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الثقة بالتقنيات تؤدي دورًا مؤثرًا في قبولها، بما يرجح ضرورة إدراج الثقة في نماذج قبول التقنية المستقبلية في بيئة العمل، إذ لا يكفي أن يدرك الموظف فائدة التقنية وسهولتها، بل يلزمه أن يثق بها وبمخرجاتها وبالجهات التي تقف خلفها، وفي نتيجة لافتة لم يكن متغير سهولة الاستخدام المدركة المستمد من نموذج قبول التقنية متنبئًا دالًا بقبول التقنيات الجديدة، وهو ما ناقشته الدراسة مناقشة مفصلة بوصفه خروجًا على توقعات النموذج الأصلي ويستدعي إعادة التفكير في افتراضاته في بيئات العمل الناضجة رقميًا، أما على صعيد العوامل المستمدة من نموذج قبول الذكاء الاصطناعي فقد ثبت أن القابلية الفردية للتكيف عامل ذو صلة وثيقة بالقبول، في حين قدمت الدراسة رؤى أولية حول عدم دلالة تأثير الانفتاح على التجريب، وفسر النموذج النهائي أكثر من ثلثي التباين في نية استخدام التقنية الجديدة، وهي نسبة تفسير مرتفعة تعكس قوة النموذج المدمج
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة إسهامًا مهمًا في فهم قبول التقنيات الجديدة في بيئة العمل، وتلفت المؤسسات إلى أن خطط التحول الرقمي يجب أن تستثمر في بناء ثقة الموظفين بالتقنيات وتنمية قابليتهم للتكيف بقدر استثمارها في البنية التقنية ذاتها، فالتدريب والدعم والمشاركة المدروسة تصنع قبولًا أرسخ من فرض الأنظمة فرضًا من الأعلى، كما تدعو النتائج مطوري النماذج النظرية إلى إعادة وزن متغيرات نموذج قبول التقنية التقليدية في سياقات العمل الحديثة، ولا سيما سهولة الاستخدام المدركة التي تراجعت دلالتها، وإلى منح الثقة موضعًا محوريًا في النماذج القادمة لتفسير سلوك المستخدمين تجاه التقنيات الذكية، بما يجعل النماذج أكثر واقعية وقدرة على التنبؤ
وتدعو نتيجة تراجع دلالة سهولة الاستخدام المدركة الباحثين إلى عدم التعامل مع نماذج القبول بوصفها قوالب جامدة، بل إعادة اختبارها في كل جيل تقني جديد، فحين تنتشر المهارات الرقمية وتتطور الواجهات قد يفقد متغير تقليدي قوته التفسيرية لصالح متغيرات نفسية أعمق كالثقة والقابلية للتكيف، كذلك تمنح الرؤى الأولية حول الانفتاح على التجريب الباحثين نقطة انطلاق لدراسات لاحقة بأدوات قياس أدق وعينات أوسع، وتفيد المؤسسات عمليًا في تصميم برامج إدماج تقني تبدأ ببناء الثقة عبر الشفافية والدعم الفني، وتراعي الفروق الفردية في القابلية للتكيف فتقدم مسارات تعلم متدرجة بدل صدمة التحول المفاجئة
وخلاصة القول إن قبول التقنيات الجديدة في بيئة العمل تصنعه الثقة بالتقنية وقابلية الأفراد للتكيف أكثر مما تصنعه سهولة الاستخدام المدركة، وقد فسر النموذج المختبر أكثر من ثلثي نية الاستخدام، وبذلك ترسم الدراسة للمؤسسات خريطة طريق عملية مفادها أن التحول الرقمي الناجح يبدأ من الإنسان القابل للتغيير الواثق بالتقنية قبل أن يبدأ من الأنظمة والأجهزة








