تشكل دوافع القوة الاجتماعية محركات عميقة للسلوك الإنساني، فالناس يختلفون فيما يسعون إليه من السيطرة والهيمنة، أو من المكانة والاحترام، أو من قيادة الآخرين والتأثير فيهم، وقد افترض باحثون أن هذه الدوافع لا توجه الطموحات الاجتماعية فحسب، بل تمتد إلى مواقف الأفراد من المخاطرة في مجالات الحياة المختلفة، فمن ينشد الهيمنة قد يرى في المخاطرة فرصة لإثبات تفوقه وإخضاع المواقف لإرادته، بينما قد يحجم من ينشد المكانة عن مغامرات تهدد صورته أمام الآخرين، وقد يتعامل من ينشد القيادة مع المخاطرة بوصفها مسؤولية جماعية محسوبة، وهكذا يصبح سلوك المجازفة مرآة تعكس البنية الدافعية العميقة للشخصية، وتتناول هذه الدراسة العلاقة بين دوافع القوة الاجتماعية بأنواعها الثلاثة، وهي الهيمنة والمكانة والقيادة، وبين تفضيلات المخاطرة لدى الأفراد، عبر دراستين متكاملتين تتقاطع نتائجهما وتتعزز
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى فحص العلاقة بين دوافع القوة الاجتماعية، وهي الهيمنة والمكانة والقيادة، وبين تفضيلات المخاطرة لدى الأفراد، والتحقق من قدرة كل دافع على التنبؤ المستقل بسلوك المجازفة وبكيفية إدراك المخاطر والحكم عليها، وأجريت دراستان متكاملتان، تناولت الأولى العلاقات الأساسية بين الدوافع الثلاثة ومؤشرات المخاطرة المتنوعة، بما في ذلك احتمالية الإقدام على المخاطر، والحكم على المخاطر بوصفها مفيدة في نتائجها، وإدراك المخاطر بوصفها محفوفة بالخطر، وغطت قياسات المخاطرة مجالات فرعية متعددة هي المجالات الأخلاقية والمالية والاجتماعية والترفيهية ومجال الصحة والسلامة، بما أتاح اختبار عمومية العلاقة عبر سياقات متباينة، أما الدراسة الثانية فكررت اختبار نتائج الأولى في عينة أكبر وأكثر تنوعًا، مع ضبط متغير النرجسية بوصفه سببًا ثالثًا مشتركًا محتملًا قد يقف خلف العلاقة بين دافع الهيمنة والمخاطرة بحكم تقاطع النرجسية مع نزعات الهيمنة والاندفاع
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت نتائج الدراسة الأولى أن الأفراد المرتفعين في دافع الهيمنة كانوا بوجه عام أكثر إقدامًا على المخاطر، وأكثر ميلًا إلى الحكم على المخاطر بأنها مفيدة في نتائجها، وأقل ميلًا إلى إدراكها بوصفها محفوفة بالخطر، وبين التحليل أن دافع الهيمنة أظهر قدرة تنبؤية قوية وفريدة عبر جميع المجالات الفرعية المقاسة للمخاطرة، أخلاقية كانت أم مالية أم اجتماعية أم ترفيهية أم متعلقة بالصحة والسلامة، بما يعني أن هذا الدافع يرتبط بنزعة عامة نحو المجازفة لا تقتصر على مجال دون آخر، وجاءت الدراسة الثانية مؤيدة لهذه الصورة، إذ كررت نتائج الدراسة الأولى في عينة أكبر وأكثر تنوعًا، وظلت العلاقات قائمة حتى بعد ضبط النرجسية إحصائيًا، الأمر الذي يستبعد أن تكون النرجسية وحدها تفسيرًا بديلًا كافيًا لهذه العلاقة، ويمنح الاستنتاج متانة تصميمية نابعة من تكرار النمط ذاته في عينتين وسياقي قياس مختلفين
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تفتح نتائج الدراسة نقاشًا مهمًا حول آثار دوافع القوة في سلوكيات المجازفة، وتشير إلى أن فهم قرارات الأفراد الخطرة في السياقات المالية والاجتماعية والمهنية يصبح أعمق حين يؤخذ دافع الهيمنة في الحسبان، إذ يفسر لماذا يندفع بعض الأشخاص نحو خيارات عالية المخاطر ويستخفون باحتمالات الخسارة وينظرون إلى الحذر بوصفه ترددًا، كما تفيد النتائج المؤسسات في قراءة أنماط المخاطرة لدى قادتها وموظفيها، ولا سيما في المواقع التي تتطلب قرارات محسوبة المخاطر كالاستثمار والقيادة التنفيذية وإدارة الأزمات، فتوزع الأدوار بما يوازن بين روح المبادرة وانضباط التقويم، وتناقش الدراسة دلالات نتائجها على دراسة دوافع القوة وسلوكيات المجازفة، وتحدد اتجاهات مستقبلية واعدة لبحوث هذا الحقل، تدعو إلى توسيع الفهم النظري والتطبيقي لعلاقة الدافعية الاجتماعية بالقرار الخطر
كما تثير النتائج أسئلة بحثية مستقبلية حول كيفية تفاعل دوافع القوة مع متغيرات الشخصية والسياق الثقافي في تشكيل قرارات المجازفة، وحول ما إذا كانت هذه النزعة العامة نحو المخاطرة لدى مرتفعي الهيمنة تنعكس في سلوكيات قابلة للملاحظة الميدانية كقرارات الاستثمار والقيادة في الأزمات، وتدعو الدراسة إلى دراسات لاحقة تستخدم قياسات سلوكية وتجريبية تتجاوز التقارير الذاتية، وتبحث في الفروق الدقيقة بين دوافع القوة الثلاثة في علاقتها بأنواع محددة من المخاطر، بما يبني صورة أكثر تفصيلًا عن البنية الدافعية للقرار الخطر عبر المواقف والثقافات المختلفة
وخلاصة القول إن دافع الهيمنة يقف خلف ميل عام ومتسق نحو الإقدام على المخاطر وتقليل شأن أخطارها، وهو ميل صمد عبر دراستين وبعد ضبط متغير النرجسية المنافس في التفسير، وبذلك تضيف الدراسة حلقة موثقة إلى فهم العلاقة بين دوافع القوة الاجتماعية وسلوكيات المخاطرة، وتمهد لقراءة أدق للقرارات الخطرة في الحياة المهنية والاجتماعية والمالية








