يُعد الانحراف في مكان العمل من أخطر السلوكيات التنظيمية المضادة للإنتاجية، إذ يتجلى في ممارسات يقصد بها الموظفون الإضرار بالمنظمة أو بزملائهم، وتتنوع صوره بين التلكؤ المتعمد وإخفاء الجهد ونشر الشائعات والإساءة إلى الآخرين والانسحاب النفسي من العمل، وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها لا تنشأ من فراغ، بل تولد داخل بيئة تنظيمية تصنعها أنماط القيادة السائدة وثقافة المنظمة والعلاقات اليومية بين المديرين والمرؤوسين، وتبرز القيادة الاستغلالية بوصفها أحد الأنماط القيادية المدمرة، إذ يستخدم فيها القائد سلطته لتحقيق مكاسب شخصية على حساب مرؤوسيه، فيستنزف جهودهم وينسب إنجازاتهم إلى نفسه ولا يقدم لهم الدعم والتقدير المستحقين، وتكتسب هذه الظاهرة حساسية مضاعفة في الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على فرق عمل محدودة العدد وتتأثر بسرعة بأي سلوك منحرف، وتسعى هذه الدراسة إلى كشف العملية النفسية التي تربط بين هذا النمط القيادي وبين ميل الموظفين إلى الانحراف في شركات صغيرة ومتوسطة في الصين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف المتغيرات التي تيسر انحراف موظفي الشركات الصغيرة والمتوسطة الصينية في مكان العمل، مع التركيز على كشف العملية التي يحدث من خلالها السلوك المنحرف، فتجاوزت الدراسات السابقة التي اكتفت باستكشاف المتغيرات أو التحقق من الأثر الرئيس لكل متغير على حدة، وقدمت نموذجًا بحثيًا متكاملًا يفسر مسار حدوث الانحراف ويحقق منه، وتحديدًا اختبرت الدراسة أثر القيادة الاستغلالية في الانحراف في مكان العمل عبر المشاعر السلبية وسيطًا نفسيًا، وفحصت الدور المعدِّل للوساطة الذي يؤديه خوف التقويم السلبي في هذه العلاقة، وطبقت الدراسة مسحًا ميدانيًا على موظفين بالغين يعملون في شركات صغيرة ومتوسطة موزعة على خمس وعشرين مقاطعة وبلدية ومنطقة في الصين، بما يمنح العينة تنوعًا جغرافيًا واسعًا، وبلغ عدد العينات الصالحة للتحليل التجريبي ثلاثمئة وخمس عينات، وحللت البيانات باستخدام برنامج إس بي إس إس وبرنامج أموس وإضافة بروسيس الإحصائية المتخصصة في تحليل الوساطة والوساطة المعدَّلة
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الفروض التي بني عليها النموذج قد تأيدت جميعًا باستثناء الفرض السادس، وأكدت أن القيادة الاستغلالية لا تدفع الموظفين إلى الانحراف دفعة مباشرة فحسب، بل تفعل ذلك أساسًا عبر ما تولده لديهم من مشاعر سلبية متراكمة، فحين يتعرض الموظف لاستغلال متكرر من قائده تتنامى لديه مشاعر الغضب والإحباط والاستياء، وتتحول هذه المشاعر إلى وقود نفسي يغذي سلوكيات منحرفة يجد فيها الموظف متنفسًا أو وسيلة لاستعادة توازنه الذاتي، وبينت النتائج كذلك أن خوف التقويم السلبي يؤدي دورًا معدِّلًا للوساطة، إذ تتغير قوة المسار غير المباشر بين القيادة الاستغلالية والانحراف بحسب مستوى خوف الموظف من أحكام الآخرين السلبية عليه، فتتفاعل السمات الشخصية للموظف مع البيئة القيادية لتشكل في النهاية احتمالية انخراطه في السلوك المنحرف داخل منظمته، ويعني ذلك أن الموظفين لا يستجيبون للقيادة الاستغلالية بدرجة واحدة، بل تتباين استجاباتهم تبعًا لحساسيتهم للتقويم الاجتماعي
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل الدراسة إسهامات نظرية واضحة، إذ تكشف عن الدور الوسيط للمشاعر السلبية بين القيادة الاستغلالية والانحراف في مكان العمل، وعن الدور المعدِّل للوساطة لخوف التقويم السلبي، بما يوسع فهم العلاقات بين هذه المتغيرات ويحول النقاش من سؤال الأثر إلى سؤال العملية والشروط، وتقدم الدراسة الآثار المتوقعة لنتائجها على صعيدي النظرية والتطبيق، أما عمليًا فتفيد النتائج المنظمات في التعرف المبكر على القيادة الاستغلالية وإدارتها قبل أن تستفحل آثارها، وتساعدها على تخفيف الانحراف في مكان العمل، وتنبه المديرين إلى ضرورة الانتباه إلى المشاعر السلبية لدى موظفيهم وإلى مخاوفهم من التقويم السلبي، بوصفها إشارات إنذار مبكرة يمكن التعامل معها بالاحتواء والدعم والعدالة في المعاملة، كما توحي النتائج بأن برامج اختيار القادة وتقويمهم ينبغي أن ترصد السلوكيات الاستغلالية قبل ترقيتها إلى مواقع النفوذ
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم تفسيرًا عمليًا مقنعًا لكيفية تحول القيادة الاستغلالية إلى انحراف تنظيمي عبر بوابة المشاعر السلبية وبشروط يحددها خوف التقويم السلبي، وتدعو المنظمات إلى معالجة الانحراف من جذوره القيادية والنفسية لا من أعراضه السلوكية فقط، وبذلك توسع الدراسة مجال البحث في السلوك التنظيمي، وتضيف إليه نموذجًا مفسِّرًا للعلاقة السببية بين القيادة الاستغلالية والانحراف عبر عملية نفسية متكاملة يعد إسهامًا أصيلًا قابلًا للاختبار والتطبيق في بيئات عمل متنوعة








