أعاد البث المباشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل الطريقة التي يستكشف بها الجمهور الوجهات السياحية ويتفاعل معها، إذ يجمع بين المشاهدة الحية والتفاعل الفوري وتجربة الحضور عن بُعد، ويبرز البث المباشر للسفر عبر منصة تيك توك بوصفه ظاهرة تسويقية وترفيهية متنامية لم تحظ بدراسة تجريبية كافية، وتناولت هذه الدراسة جدوى البث المباشر للسفر على وسائل التواصل الاجتماعي، وفحصت الانغماس والنوايا السلوكية لدى المستخدمين المشاهدين، في إطار نظري يجمع بين نظرية الاستخدامات والإشباعات ونموذج المثير والكائن والاستجابة ونموذج استخدام الإنترنت التعويضي
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى اكتشاف جدوى البث المباشر للسفر على منصة تيك توك وتقويمها، وبناء إطار نظري يضم التفاعل الاجتماعي والحضور عن بُعد والانغماس ورضا المستخدم والنية السلوكية، واعتمدت منهجًا كميًا، فجمعت البيانات إلكترونيًا وحللتها من 274 مستخدمًا صينيًا من مشاهدي البث المباشر للسفر، وتعد الدراسة من أوائل الدراسات التي تفحص تجريبيًا الانغماس والنوايا السلوكية لدى مشاهدي هذا النوع من البث، بما وسع تطبيق نموذج المثير والكائن والاستجابة ونظرية الاستخدامات والإشباعات في سياق سياحي رقمي جديد يجمع بين المشاهدة والتفاعل والمشاركة الوجدانية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن التفاعل الاجتماعي والحضور عن بُعد يرتبطان ارتباطًا موجبًا بالانغماس ورضا المستخدم، فكلما شعر المشاهد بقوة الحضور في المكان المعروض وتفاعل مع المضيف والمشاهدين ازداد انغماسه ورضاه عن التجربة، كما أظهرت أن الانغماس يؤثر تأثيرًا موجبًا في رضا المستخدم ونواياه السلوكية، بما يشمل احتمالات الزيارة الفعلية للوجهات المعروضة والتوصية بها، وقدمت النتائج رؤى قيّمة للمستخدمين والسياح المحتملين ومقدمي البث المباشر ومديري الوجهات السياحية، مع الإقرار بحدود للدراسة أبرزها غياب تقويم شخصية مقدم البث من مظهر وأسلوب تقديم، وعدم التمييز الدقيق بين تفاعلات المستخدم مع المضيف وتفاعلاته مع المستخدمين الآخرين
وينتمي البث المباشر للسفر إلى موجة أوسع من تحولات استهلاك المحتوى السياحي، إذ انتقل الجمهور من الصور الثابتة والنصوص الوصفية إلى تجارب حية تفاعلية تمنح إحساسًا بالتجول الفعلي في المكان، ويميز إطار الدراسة النظري بين مكونات هذه التجربة بدقة، فالمثيرات تشمل خصائص البث والمضيف والتفاعلات، والكائن يتمثل في حالات المشاهد الداخلية من انغماس وحضور عن بُعد ورضا، والاستجابات تترجم إلى نوايا سلوكية كالرغبة في الزيارة والتوصية، وقد أحسنت الدراسة توظيف نموذج استخدام الإنترنت التعويضي لتفسير دوافع فئة من المشاهدين تلجأ إلى السفر الافتراضي تعويضًا عن صعوبات السفر الفعلي أو ضغوط الحياة، وهو تفسير يعمق فهم جاذبية هذا المحتوى لدى جمهور واسع لا يخطط بالضرورة لرحلة قريبة، لكنه يبني صورة ذهنية عن الوجهات قد تتحول لاحقًا إلى قرارات سفر حقيقية
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تشير الدراسة إلى أن نجاح البث المباشر للسفر لا يقوم على جودة الصورة والمحتوى وحدهما، بل على بناء تجربة انغماس وتفاعل وحضور وجداني لدى المشاهد، مما يوجه مقدمي البث ومديري الوجهات إلى تصميم بث تفاعلي يستثمر التعليقات والمشاركة الحية ويعزز الإحساس بالمكان، كما تفيد النتائج الباحثين بتحديد فجوات مستقبلية كأثر شخصية المضيف وأنماط التفاعل المختلفة، وتؤكد أن فهم سيكولوجية المشاهدة الحية أصبح ضروريًا لتسويق الوجهات في عصر المنصات الاجتماعية قصيرة الفيديو
وتضيف الدراسة إلى فهم التسويق السياحي الرقمي من جهة نظرية وتطبيقية معًا، فمن جهة نظرية تدمج بين أطر ثلاثة هي نظرية الاستخدامات والإشباعات ونموذج المثير والكائن والاستجابة ونموذج استخدام الإنترنت التعويضي، بما يفسر مشاهدة البث المباشر للسفر بوصفها سلوكًا مدفوعًا بحاجات نفسية واجتماعية كالتواصل والترفيه والهروب التعويضي من ضغوط الحياة اليومية، لا مجرد بحث عن معلومات سياحية، ومن جهة تطبيقية توفر النتائج بوصلة لمقدمي البث الذين يتنافسون على انتباه جمهور المنصات قصيرة الفيديو، إذ تشير إلى أن صناعة الإحساس بالحضور المشترك في المكان، وتفعيل التعليقات والأسئلة الحية، وبناء علاقة وجدانية مع المشاهدين، عناصر لا تقل أهمية عن جودة المناظر المعروضة، كما تفيد مديري الوجهات في اختيار المضيفين وتصميم الحملات التفاعلية وتقويم أثرها في النوايا السياحية الفعلية
وخلاصة القول إن الانغماس قلب تجربة البث المباشر للسفر عبر تيك توك، يتغذى على التفاعل الاجتماعي والحضور عن بُعد، ويقود إلى رضا المستخدم ونواياه السلوكية نحو الوجهات، وإن استثمار هذه الحقيقة من مقدمي البث ومديري الوجهات يحول المشاهدة العابرة إلى اهتمام سياحي فعلي، ويرسخ البث المباشر قناة واعدة في التسويق السياحي الرقمي








