تنطوي ريادة الأعمال في قاعدة الهرم الاقتصادي على آثار عميقة في التنمية الاقتصادية للمناطق الفقيرة، إذ تمثل مشروعات أبناء الطبقات الاجتماعية الدنيا رافدًا للتوظيف والدخل والحراك الاجتماعي، غير أن نجاح هؤلاء الرواد يتوقف على استراتيجياتهم النفسية والسلوكية في مواجهة ندرة الموارد وضغوط البيئة، وتناولت هذه الدراسة استراتيجية الانتقال والمثابرة لدى رواد الأعمال من الطبقات الاجتماعية الدنيا، ودورها في تطوير الفرص الريادية عبر مسارين وسيطين هما رأس المال النفسي والبراعة في تدبير الموارد
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى بناء نموذج للعوامل السابقة لتطوير الفرص الريادية واختباره، مستندة إلى نظرية العوامل الثلاثة لريادة الأعمال عند تيمونز ونظرية حفظ الموارد، ومتخذة استراتيجية الانتقال والمثابرة نقطة محورية، مع رأس المال النفسي والبراعة في تدبير الموارد مسارين مزدوجين، واعتمدت مقاربة تجريبية على مرحلتين، إذ أجريت في المرحلة الأولى تجربة صغيرة النطاق بمشاركة 73 فردًا من مناطق محددة للاستطلاع الأولي، ووزعت في المرحلة الثانية استبانات على 405 أفراد لاختبار آليات العمل وحدود تأثير استراتيجية الانتقال والمثابرة في تطوير الفرص
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن التدخلات المعرفية أثرت تأثيرًا ذا دلالة في استراتيجية الانتقال والمثابرة لدى رواد الأعمال وفي مستويات تطويرهم للفرص الريادية، كما بينت أن رأس المال النفسي والبراعة في تدبير الموارد توسطا جزئيًا العلاقة بين استراتيجية الانتقال والمثابرة وتطوير الفرص الريادية، فكلما امتلك الرائد مخزونًا نفسيًا إيجابيًا وقدرة على توظيف الموارد المحدودة بذكاء ازدادت قدرته على تحويل الاستراتيجية إلى فرص فعلية، وأظهرت النتائج كذلك أن عدم يقين السوق مارس آثارًا تعديلية موجبة ذات دلالة في مسار رأس المال النفسي فقط، بينما لم يؤثر تأثيرًا ذا دلالة في مسار البراعة في تدبير الموارد
ويستند النموذج النظري للدراسة إلى ركيزتين راسختين في أدبيات ريادة الأعمال وعلم النفس التنظيمي، فمن نظرية العوامل الثلاثة عند تيمونز استعارت فهم ريادة الأعمال بوصفها توازنًا ديناميًا بين الفرصة والفريق والموارد، ومن نظرية حفظ الموارد استعارت فكرة أن الأفراد يسعون إلى اكتناز الموارد النفسية والمادية وحمايتها وتوظيفها في مواجهة التهديدات، وضمن هذا الإطار تبرز استراتيجية الانتقال والمثابرة بوصفها نمطًا تكامليًا يجمع بين مرونة تغيير المسار عند انسداد الأبواب والإصرار على الهدف الكلي، وهي استراتيجية تناسب بيئات الفقر حيث لا يحتمل الرائد كلفة الجمود ولا رفاهية التخلي السريع، كما أن إدخال عدم يقين السوق متغيرًا معدلًا أضاف واقعية إلى النموذج، فآثار الاستراتيجية قد لا تثبت عبر البيئات المستقرة والمضطربة على السواء
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة منظورًا جديدًا لفهم السلوك الريادي لدى أفراد الطبقات الاجتماعية الدنيا، يتجاوز التفسيرات الاقتصادية الضيقة إلى العوامل النفسية والسلوكية، وتفيد صناع سياسات ريادة الأعمال ومصممي برامج التمكين الاقتصادي بأن دعم هذه الفئة لا يقتصر على التمويل، بل يشمل التدخلات المعرفية وبناء رأس المال النفسي وتنمية مهارات تدبير الموارد، كما تنبه إلى أن تقلب الأسواق قد يعزز قيمة الموارد النفسية للرائد، بما يستدعي برامج دعم مرنة تراعي سياقات عدم اليقين التي تعمل فيها المشروعات الصغيرة
وتكتسب الدراسة أهميتها التطبيقية من تركيزها على فئة غالبًا ما تناقش بوصفها متلقية للدعم لا فاعلة في التنمية، وهم رواد الأعمال من الطبقات الاجتماعية الدنيا، إذ تبين أن هؤلاء الرواد يمتلكون استراتيجيات تكيف نشطة قوامها الموازنة بين الانتقال إلى فرص جديدة والمثابرة على أهدافهم رغم العوائق، وأن هذه الاستراتيجية لا تعمل في فراغ، بل تحتاج إلى وقود نفسي يتمثل في رأس المال النفسي من أمل وكفاءة ذاتية وتفاؤل ومرونة نفسية، وإلى مهارة عملية هي البراعة في استنباط الحلول من الموارد الشحيحة المتاحة، وقد استخدمت الدراسة تصميمًا مزدوجًا جمع بين تجربة صغيرة مضبوطة ومسح ميداني واسع، فمنح نتائجها قوة تفسيرية تجمع بين الصرامة التجريبية والواقعية الميدانية، ويمهد لتوصيات دقيقة حول تصميم التدخلات المعرفية الموجهة لهذه الفئة
وخلاصة القول إن استراتيجية الانتقال والمثابرة محرك مهم لتطوير الفرص الريادية لدى رواد الأعمال من الطبقات الاجتماعية الدنيا، تعمل عبر رأس المال النفسي والبراعة في تدبير الموارد، وإن الاستثمار في هذه القدرات النفسية والسلوكية يمثل مسارًا واعدًا لسياسات مكافحة الفقر وتعزيز ريادة أعمال شاملة تحقق أثرًا تنمويًا مستدامًا في المناطق الأقل حظًا








