تتعايش في الواقع المعاصر مخاطر بيئية واجتماعية متعددة تتداخل آثارها وتتفاعل فيما بينها، مما يستدعي دراسة إدراك الجمهور لهذه المخاطر في سياق متعدد المخاطر لا بمعزل بعضها عن بعض، ففهم كيفية إدراك الأفراد للمخاطر المتنوعة والعوامل المؤثرة في هذا الإدراك يساعد الحكومات وصناع السياسات على تحسين التواصل بشأن المخاطر واتخاذ قرارات أكثر فاعلية في مواقف الأزمات، وتناولت هذه الدراسة إدراك المخاطر المتعددة لدى الجمهور في كوريا الجنوبية من بعدين معرفي ووجداني، وعلاقة هذا الإدراك بالخصائص الاجتماعية والديموغرافية
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى استكشاف كيفية إدراك الجمهور للمخاطر المتعددة، وبحث الفروق في الإدراك تبعًا للعوامل الاجتماعية والديموغرافية، واعتمدت على تصنيف مكتب الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث، فبحثت في أربعة عشر خطرًا عبر مسح إلكتروني شمل 1035 فردًا من كوريا الجنوبية، ووظفت نموذج الفئات الكامنة لتحديد مصادر التداخل بين إدراكات المخاطر، كما استخدمت الانحدار اللوجستي متعدد الحدود لفحص العوامل المؤثرة في أبعاد إدراك المخاطر، بما يتيح التمييز بين الإدراك المعرفي القائم على المعرفة والتقدير العقلي، والإدراك الوجداني المرتبط بالمشاعر والانفعالات تجاه الخطر
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن الإدراك المعرفي والوجداني للمخاطر كان أعلى في مخاطر تغير المناخ والاحتباس الحراري، وتلوث الهواء، وتدمير التنوع الحيوي والبيئة، والأزمة الاقتصادية والركود، وانخفاض الخصوبة وشيخوخة المجتمع وتناقص السكان، كما بينت أن النساء وسكان مناطق غوانغجو وجولا وجيجو والحاصلين على تعليم جامعي كانوا أكثر حساسية للإدراك المعرفي للمخاطر، في حين كان من تتراوح أعمارهم بين الثلاثين والتاسعة والثلاثين وذوو الوضع الاقتصادي المنخفض أكثر حساسية للإدراك الوجداني، وكان الرجال أقل حساسية في هذا البعد، وتبين كذلك أن الإدراكين المعرفي والوجداني متميزان لكنهما مترابطان
ويتميز تصميم الدراسة بجمعه بين أداتين تحليليتين متكاملتين، فبينما أتاح نموذج الفئات الكامنة تجميع المستجيبين في أنماط متميزة من إدراك المخاطر بدلًا من افتراض تجانسهم، أتاح الانحدار اللوجستي متعدد الحدود ربط هذه الأنماط بخصائص الأفراد من جنس وسن وتعليم ومنطقة سكن ووضع اقتصادي، وبذلك تجاوز البحث الوصف السطحي لمتوسطات الإدراك إلى خريطة دقيقة للفئات الأكثر حساسية لكل نوع من الإدراك، وهو ما تحتاج إليه جهات إدارة الكوارث والأزمات حين تصمم رسائلها، كما أن اعتماد تصنيف أممي معتمد للمخاطر منح الدراسة قابلية للمقارنة مع بحوث أخرى في دول مختلفة، وسمح بفحص أربعة عشر خطرًا متنوعًا في أداة واحدة متسقة، من الكوارث البيئية إلى التحولات الديموغرافية البطيئة التي لا تقل خطورة على المدى الطويل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم هذه النتائج رؤى مهمة لتحسين اتخاذ القرار في مواقف الأزمات، من خلال إطلاع الحكومة وصناع السياسات على أولويات الجمهور واهتماماته، فتحديد الفئات الفرعية الحساسة ديموغرافيًا لكل بعد من بعدي الإدراك يسهم في تعزيز استراتيجيات التواصل بشأن المخاطر وتصميم رسائل تتناسب مع خصائص كل فئة، كما تؤكد الدراسة أن معالجة المخاطر المتداخلة تتطلب فهمًا مزدوجًا يجمع بين المعرفة والمشاعر، وأن تجاهل البعد الوجداني قد يضعف فاعلية السياسات مهما بلغت دقتها العلمية
وتنبع أهمية الدراسة من شمولها مخاطر تقليدية وأخرى مستجدة في إطار واحد، فقد جمعت بين مخاطر بيئية كتغير المناخ وتلوث الهواء وتدمير التنوع الحيوي، ومخاطر اجتماعية وديموغرافية كالركود الاقتصادي وانخفاض الخصوبة وشيخوخة المجتمع وتناقص السكان، وهي مخاطر تتصدر أجندة كوريا الجنوبية المعاصرة، وإدراك الجمهور لها لا يتشكل في فراغ بل يتأثر بمواقع الأفراد الاجتماعية وخبراتهم المعيشية، فالنساء ظهرن أكثر حساسية معرفية، والفئات الأصغر سنًا والأقل دخلًا أكثر حساسية وجدانية، وهي فروق ينبغي أن تراعيها حملات التوعية الحكومية فلا تخاطب الجمهور بوصفه كتلة واحدة متجانسة، بل تبني رسائل متباينة بحسب الفئة المستهدفة ونوع الخطر، وتوازن بين تقديم المعلومات الدقيقة ومعالجة المخاوف والانفعالات المشروعة لدى الجمهور، بما يجمع بين دقة البيانات وعمق الفهم النفسي والاجتماعي للجمهور المستهدف وخصائصه المتنوعة
وخلاصة القول إن إدراك الجمهور للمخاطر المتعددة يتباين بحسب نوع الخطر وخصائص الأفراد الاجتماعية والديموغرافية، وإن التمييز بين البعدين المعرفي والوجداني يمنح صناع السياسات أداة أدق لصياغة تواصل فعال بشأن المخاطر، ويعزز جاهزية المجتمع للتعامل مع الأزمات البيئية والاجتماعية المتداخلة في عالم تتزايد فيه التحديات وتتشابك








