يمثل الدفع الإلكتروني بالعملة الرقمية أحد أبرز تجليات التحول نحو النقود الرقمية السيادية، إذ تطبق الصين تجربته بصورة تجريبية متدرجة تمهيدًا لنشره على نطاق واسع، غير أن نجاح هذا النشر لا يتوقف على جاهزية البنية التقنية وحدها بل على اتجاهات الأفراد واستعدادهم لتبني وسيلة الدفع الجديدة وتفضيلها على ما اعتادوه، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تحديد العوامل المؤثرة في اتجاهات الأفراد نحو هذا النظام ونيتهم لتبنيه بوصفها خطوة أساسية لترقيته وتوسيع قاعدة مستخدميه، وقد جاءت هذه الدراسة لبناء نموذج تنبؤي يفسر نية الأفراد لتبني الدفع الإلكتروني بالعملة الرقمية ويختبره ميدانيًا، مستندة إلى إطارين نظريين متكاملين يجمعان بين قوى الدفع والجذب والرسو وبين ميل الأفراد الفطري إلى الإبقاء على الوضع الراهن
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التعرف على العوامل المؤثرة في اتجاهات الأفراد نحو الدفع الإلكتروني بالعملة الرقمية ونيتهم لتبنيه، وبناء نموذج تنبؤي متكامل لهذه الظاهرة، وقد انطلقت الدراسة من نموذج الدفع والجذب والرسو ومن نظرية انحياز الوضع الراهن في صياغة نموذجها المقترح، واختبرته عبر استبانة طبقت على ثلاث مئة وخمسة وتسعين فردًا من متبني هذا النظام، وحُللت البيانات بتحليل من مرحلتين جمع بين نمذجة المعادلات البنائية والشبكة العصبية ذات الانتشار الخلفي، فأتاحت المرحلة الأولى اختبار الدلالة الإحصائية للعلاقات المفترضة بين المتغيرات، بينما أتاحت المرحلة الثانية التقاط العلاقات غير الخطية وترتيب العوامل بحسب قوتها التنبؤية، وبذلك قدمت الدراسة مقاربة تحليلية مزدوجة تعزز متانة النتائج وقيمتها التفسيرية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن اتجاهات الأفراد نحو الدفع الإلكتروني بالعملة الرقمية عامل محوري في تحديد تبنيهم له، فالاتجاه الإيجابي هو البوابة التي تعبر منها بقية العوامل إلى نية التبني الفعلية، وبيّنت النتائج أن التوافق المدرك مع أنماط الدفع المعتادة والمعايير الذاتية والخارجيات الشبكية والصورة الذاتية الاجتماعية وسياسة الحكومة المدركة والمصداقية المدركة كلها تحدث آثارًا إيجابية دالة في الاتجاهات، بينما تمارس التكلفة المدركة أثرًا سالبًا فيها، كما أظهرت النتائج أن المعايير الذاتية وسياسة الحكومة المدركة تعززان إيجابيًا المصداقية المدركة للنظام، فثقة الفرد في الجهة المصدرة وفي محيطه الاجتماعي تنسحب على ثقته في الوسيلة ذاتها، وبيّنت النتائج كذلك أن المعرفة المالية للفرد تعدّل العلاقة بين الاتجاه ونية التبني، فكلما ارتفعت معرفته المالية ازداد تحويل اتجاهه الإيجابي إلى قرار فعلي بالاستخدام
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تقدم الدراسة رؤى نظرية وإرشادات عملية لتيسير تقدم التجارب التجريبية للدفع الإلكتروني بالعملة الرقمية وتعزيز تبنيه المجتمعي، فعلى الصعيد النظري توسع الدراسة فهم سلوك تبني التقنيات المالية الرقمية بدمج نموذج الدفع والجذب والرسو ونظرية انحياز الوضع الراهن في إطار واحد وبتوظيف التحليل المزدوج الإحصائي والعصبي، وعلى الصعيد العملي توجه النتائج القائمين على نشر العملة الرقمية إلى تحسين توافق النظام مع عادات الدفع القائمة وخفض التكاليف المدركة وتعزيز المصداقية عبر السياسات الحكومية الواضحة والمعايير الاجتماعية الداعمة، مع عناية خاصة برفع المعرفة المالية لدى الجمهور لأنها الحلقة التي تحول الاتجاهات الإيجابية إلى تبنٍ فعلي، وبذلك تفيد الدراسة المصارف المركزية والمؤسسات المالية في بلدان أخرى تفكر في إطلاق عملات رقمية سيادية
وتتعزز أهمية هذه النتائج بالنظر إلى طبيعة العملات الرقمية السيادية بوصفها ابتكارًا ماليًا يمس عادات الدفع اليومية لملايين الأفراد، فالمستخدم لا يقارن النظام الجديد بفراغ بل بعادات راسخة في الدفع النقدي والإلكتروني التقليدي تحميها نظرية انحياز الوضع الراهن التي انطلقت منها الدراسة، ولذلك كان لافتًا أن التوافق المدرك مع الأنماط المعتادة جاء في مقدمة مشكلات الاتجاهات، فكلما رأى الفرد النظام الجديد امتدادًا مألوفًا لأدواته الحالية قلّت مقاومته له، كما أن بروز المصداقية المدركة وارتباطها بالمعايير الذاتية وسياسة الحكومة يبين أن الثقة في هذا المجال تُبنى اجتماعيًا ومؤسسيًا لا تقنيًا فحسب، فتوصية الأقران وإشارات الدولة الواضحة تعملان بوصفهما شهادتي ضمان تختصران على الفرد كلفة التجربة والمخاطرة، وهو درس يتجاوز الحالة الصينية إلى كل تجربة عملة رقمية ناشئة
وخلاصة القول إن تبني الأفراد للدفع الإلكتروني بالعملة الرقمية يمر عبر اتجاهاتهم التي تتشكل من التوافق والمعايير الاجتماعية والمصداقية والسياسات الحكومية وتثقلها التكلفة المدركة، وإن المعرفة المالية تعدّل تحول هذه الاتجاهات إلى نيات فعلية، ومن ثم فإن نشر العملات الرقمية السيادية مشروع اجتماعي وسلوكي بقدر ما هو مشروع تقني، يحتاج إلى بناء الثقة وخفض الكلفة وتثقيف الجمهور ماليًا بالتوازي مع تطوير البنية التقنية ذاتها








