تحظى الوصمة المهنية باهتمام متزايد في أدبيات السلوك التنظيمي لما تتركه من آثار في العاملين وأدائهم واستقرارهم الوظيفي، غير أن الأدبيات القائمة ركزت في معظمها على أثر الوصمة المهنية في الصناعات التقليدية، بينما ظل البحث في كيفية تأثير الوصمة والهوية المهنية في أداء العاملين داخل اقتصاد العمل الحر المؤقت محدودًا، رغم الانتشار الواسع لهذا النمط من العمل وتنامي أعداد المنخرطين فيه، ومن هنا تأتي هذه الدراسة لتفحص أسباب الوصمة والحواجز التي يواجهها العاملون في هذا الاقتصاد، وتختبر العلاقة بين الوصمة المهنية والأداء الوظيفي ونوايا ترك العمل، مع إبراز الدورين المحوريين للرفاه في مكان العمل والهوية المهنية في هذه العلاقات، انطلاقًا من تجربة عمال توصيل الطعام في الصين
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى التعرف على أثر الوصمة المهنية في أداء العاملين ونواياهم لترك العمل داخل اقتصاد العمل الحر، واختبار الدور الوسيط للرفاه في مكان العمل في هذه العلاقة، والكشف عن دور الهوية المهنية وقدرتها على إضعاف أثر الوصمة أو تعديله، وقد اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي المسحي إذ طبقت استبانة على عينة قوامها أربع مئة عامل من عمال توصيل الطعام في الصين، وحُللت البيانات بأسلوب نمذجة المعادلات البنائية لاختبار العلاقات المباشرة وغير المباشرة بين متغيرات الدراسة، بما في ذلك العلاقات المشروطة بمستوى الهوية المهنية، وبذلك قدمت الدراسة نموذجًا متكاملًا يربط الوصمة المدركة بالرفاه والأداء والاستقرار الوظيفي لدى فئة مهنية تواجه نظرة اجتماعية دونية لطبيعة عملها
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج أن ارتفاع مستوى الوصمة التي يدركها العاملون ارتبط بانخفاض رفاههم في مكان العمل، وهو ما أدى بدوره إلى تراجع أدائهم الوظيفي وارتفاع نواياهم لترك العمل، بما يؤكد الدور الوسيط للرفاه في مكان العمل في نقل أثر الوصمة إلى النواتج الوظيفية، كما بيّنت النتائج أن أثر الهوية المهنية مشروط بمستواها، إذ ظهر أثرها أكثر وضوحًا عند المستويات المنخفضة في ظل شروط حدية معينة، فحين تكون الهوية المهنية ضعيفة يشتد أثر الوصمة ويتضاعف ضررها، وأظهرت النتائج كذلك أن العلاقة بين الوصمة ونوايا ترك العمل كانت أضعف لدى العاملين ذوي الهوية المهنية الأقوى، بما يشير إلى أن الانتماء الراسخ للمهنة والاعتزاز بها يعملان بوصفهما موردًا نفسيًا يحمي العامل من الآثار السلبية للنظرة الاجتماعية الدونية ويخفف رغبته في مغادرة العمل
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل نتائج الدراسة دلالات نظرية وتطبيقية مهمة، فعلى الصعيد النظري تقدم الدراسة إطارًا نظريًا جديدًا لفهم الوصمة المهنية من منظور شرقي يراعي الخصوصية الثقافية والاجتماعية للسياق الصيني، ويضيف إلى الأدبيات التي انطلقت غالبًا من سياقات غربية، وعلى الصعيد التطبيقي تفيد النتائج في تطوير استراتيجيات للتخفيف من الوصمة المهنية في اقتصاد العمل الحر، سواء عبر تحسين صورة المهن المؤقتة في الخطاب العام، أو عبر برامج تعزز الهوية المهنية لدى العاملين وترفع رفاههم في بيئة العمل، وهو ما ينعكس إيجابًا في استقرار القوى العاملة وانخفاض معدلات دورانها وتحسن جودة الخدمة المقدمة للمستفيدين في منصات التوصيل وغيرها
وتكتسب هذه النتائج وزنها من كون عمال توصيل الطعام يمثلون الشريحة الأبرز في اقتصاد العمل الحر وأكثرها احتكاكًا يوميًا بالجمهور، فتتعرض صورتهم المهنية للتقييم الاجتماعي المستمر، وتشير الدراسة إلى أن الوصمة لا تنبع من طبيعة العمل ذاته بقدر ما تنبع من تصورات اجتماعية تحيط به ومن حواجز يواجهها العاملون في بيئة عملهم، وأن معالجة هذه الحواجز لا تكون بتغيير طبيعة المهنة بل بتغيير النظرة إليها وتعزيز مكانة ممارسيها، كما أن تأكيد الدور الحمائي للهوية المهنية يفتح بابًا لتدخلات عملية كبرامج الانتماء المهني والاعتراف المجتمعي بإسهام هؤلاء العاملين في الحياة اليومية للمدن الحديثة، وهي إسهامات تتضاعف أهميتها كلما اتسع نطاق خدمات التوصيل والمنصات الرقمية في الاقتصادات المعاصرة
وخلاصة القول إن الوصمة المهنية في اقتصاد العمل الحر ليست مجرد نظرة اجتماعية عابرة بل عامل مؤثر في رفاه العاملين وأدائهم وبقائهم في العمل، وإن الهوية المهنية القوية والرفاه المرتفع في مكان العمل يشكلان خط دفاع نفسيًا وتنظيميًا ضد آثارها، وتدعو الدراسة المنصات والمؤسسات وصناع السياسات إلى معالجة أسباب الوصمة من جذورها وبناء بيئات عمل داعمة تحفظ كرامة العاملين في المهن المؤقتة وتستثمر طاقاتهم على نحو مستدام








