يحتل قرار اختيار الجامعة مكانة محورية في المسار التعليمي لطلاب المرحلة الثانوية، إذ يرسم ملامح مستقبلهم الأكاديمي والمهني ويؤثر في فرصهم اللاحقة في سوق العمل والحياة الاجتماعية، وقد ازدادت أهمية فهم هذا القرار في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي أعاد تشكيل طرق حصول الطلاب على المعلومات عن الجامعات وطرق تواصلهم معها وتقييمهم لخياراتهم، فلم يعد الاختيار محكومًا بالعوامل التقليدية وحدها، بل دخلت عليه أبعاد جديدة ترتبط بسهولة استخدام المنصات الرقمية وبتوافر البنية التحتية والدعم وبالقيمة التي يدركها الطالب مقابل ما يبذله من جهد وتكلفة، وتأتي هذه الدراسة لتفحص على نحو شامل العوامل المؤثرة في اختيار الجامعة لدى طلاب المرحلة الثانوية في فيتنام داخل هذا السياق الرقمي، مع عناية خاصة بالدور الذي تؤديه الابتكارية الشخصية بوصفها مؤشرًا على الثقافة الرقمية لدى الطالب
أولًا: أهداف الدراسة ومنهجيتها
هدفت الدراسة إلى الكشف عن العوامل المؤثرة في قرارات اختيار الجامعة لدى طلاب المرحلة الثانوية الفيتناميين في عصر الرقمنة، وإلى بناء فهم متكامل للعلاقات المباشرة وغير المباشرة بين هذه العوامل، كما سعت إلى اختبار الدور المعدِّل للابتكارية الشخصية في تشكيل العلاقات بين العوامل المختلفة ونوايا الطلاب السلوكية، واعتمدت الدراسة نمذجة المعادلات البنائية بطريقة المربعات الصغرى الجزئية لتحليل بيانات مسحية جُمعت من عينة بلغت 1049 طالبًا، وتناول التحليل خمسة عوامل رئيسة هي توقع الجهد، والظروف الميسرة، وقيمة السعر، والتحكم السلوكي المدرك، وتوقع الأداء، ومدى تأثيرها في قرار اختيار الجامعة، واستندت الدراسة في إطارها المفاهيمي إلى نظريات سلوك المستهلك، فقدمت نموذجًا شاملًا يلتقط التفاعل المعقد بين العوامل المؤثرة في اختيار الجامعة في العصر الرقمي، ويوسع الأدبيات القائمة بإبراز البعد الرقمي المتمثل في الابتكارية الشخصية
ثانيًا: أبرز النتائج
أظهرت النتائج وجود تأثيرات مباشرة وغير مباشرة ذات دلالة إحصائية لكل من توقع الجهد، والظروف الميسرة، وقيمة السعر، والتحكم السلوكي المدرك، وتوقع الأداء في قرارات اختيار الجامعة لدى الطلاب، وأكدت النتائج الدور المعدِّل المهم للابتكارية الشخصية بوصفها مؤشرًا على الثقافة الرقمية، إذ أعادت تشكيل العلاقات بين العوامل المختلفة ونوايا الطلاب السلوكية، وبينت الدراسة الأثر التحويلي للابتكارية الشخصية في عملية صنع القرار في التعليم العالي، فالطالب الأكثر ابتكارية واستعدادًا لتبني التقنيات الجديدة يتعامل مع الخيارات الجامعية بطريقة تختلف عن أقرانه، وهو ما يتحدى الافتراضات التقليدية التي كانت تعامل الطلاب ككتلة متجانسة في دوافع الاختيار ومساراته، وقدم النموذج المقترح صورة متكاملة للتداخل بين العوامل التقنية والاقتصادية والسلوكية في تفسير قرار الاختيار
ثالثًا: دلالات الدراسة وتطبيقاتها
تحمل نتائج الدراسة دلالات عملية مهمة لأصحاب المصلحة في التعليم العالي الفيتنامي، إذ تقدم رؤى قابلة للتنفيذ تساعد الجامعات على تحسين استراتيجياتها التسويقية بما يتوافق مع سلوك الطلاب في البيئة الرقمية، وعلى تعزيز بنيتها التحتية الرقمية لتيسير وصول الطلاب إلى المعلومات والخدمات، وعلى تنمية ثقافة الابتكار داخل المؤسسات التعليمية وخارجها، كما تفيد النتائج صانعي السياسات والممارسين في تصميم ممارسات قائمة على الأدلة تعزز مشاركة الطلاب وترفع الأداء المؤسسي في مشهد تعليمي يزداد رقمنة يومًا بعد يوم، وعلى المستوى النظري تفتح الدراسة آفاقًا جديدة للبحث وتطوير النظرية في مجال سلوك اختيار الجامعة، إذ تدعو إلى إدماج أبعاد الثقافة الرقمية والابتكارية الشخصية في النماذج التفسيرية المستقبلية بدل الاكتفاء بالعوامل التقليدية
وتزداد قيمة هذه النتائج حين توضع في سياق التحولات التي يشهدها التعليم العالي عالميًا، فالنموذج الشامل الذي اقترحته الدراسة لا يقرأ قرار الطالب بوصفه خطوة إدارية عابرة، بل بوصفه سلوكًا استهلاكيًا وتعليميًا مركبًا تتداخل فيه التوقعات المتعلقة بالأداء والجهد مع الظروف الميسرة وحسابات القيمة والتحكم الذاتي، ومتى فهمت الجامعات هذه الشبكة أمكنها أن تصمم رسائلها وخدماتها الرقمية بما يخاطب دوافع الطلاب الحقيقية، وأن تبني حضورها الرقمي على نحو يقلل الجهد المدرك ويرفع الثقة بالاختيار، كما أن إبراز الابتكارية الشخصية يفتح بابًا لبحوث لاحقة تقارن بين فئات الطلاب بحسب ثقافتهم الرقمية، وتربط قرار الاختيار بخبرات لاحقة داخل الجامعة كالرضا والاستمرار والتفوق، وبذلك تتجاوز الدراسة حدود وصف القرار إلى تقديم أدوات عملية لتطوير الممارسة القائمة على الأدلة
وخلاصة القول إن هذه الدراسة تقدم إسهامًا معرفيًا وتطبيقيًا في فهم قرارات اختيار الجامعة في العصر الرقمي، فقد كشفت عن شبكة من العوامل المتداخلة التي تشكل القرار، وأبرزت الابتكارية الشخصية عاملًا معدلًا يغير طبيعة العلاقات بين تلك العوامل ونوايا الطلاب، وبذلك تمنح الجامعات وصانعي القرار أساسًا علميًا لتطوير استراتيجيات أكثر ملاءمة لجيل نشأ في بيئة رقمية، وتعزيز قدرة المؤسسات على استقطاب الطلاب وخدمتهم بكفاءة في سوق تعليمي تنافسي ومتحول








